تفكيك الذاكرة في الحياة بعد سهام : كيف تمنح السينما الحياة مرة ثانية
يقدم الحياة بعد سهام تجربة غير تقليدية في التعامل مع السيرة والذاكرة، فهو لا يسعى إلى رواية قصة الأم أو الأب كما حدثت، ولا يتعامل مع الماضي باعتباره حقيقة ثابتة يمكن استعادتها، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة الكتابة داخل السينما ، السؤال الذي يطرحه الفيلم لا يتعلق بمهاية الأم ، لكن من أصبح المخرج حين حاول أن يفهم حياته عبر الصورة؟” ومن هذا السؤال يتشكل جوهر المشروع السينمائي لنمير، مشروع يقوم على إعادة خلق الماضي، لا استدعائه.
منذ اللحظة الأولى، يعلن الفيلم أن السينما هنا ليست أداة توثيق، بل أداة خلق ، تمامًا كما تجمع إيزيس أشلاء أوزوريس لتعيده إلى الحياة، يجمع المخرج شذرات من أرشيف عائلي متآكل، يدمجها مع لقطات من أفلام يوسف شاهين تلك المادة المقدّسة في الذاكرة السينمائية المصرية ، ويصوغ عبر التعليق الصوتي شبكة جديدة من المعاني ، الدمج هنا ليس تزيينًا ولا لعبة مونتاج ، بل طقس لإحياء المفقود ، يصنع المخرج جسدًا سينمائيًا للأم وللأب ولذاته هو أيضًا جسدًا يستمد حياته من الصور لا من اللحم
يتعمق هذا الخط حين يعود المخرج إلى بلدته في الصعيد بحثًا عن أصل الحكاية، هناك نكتشف حقيقة أنه عاش سنتين كاملتين بعد ميلاده ، بعيدًا عن أهله بعد أن تركوه في القرية بينما عاشوا هم في باريس ، هذه الصدمة تفتح جرحًا قديمًا، لكنها في الوقت نفسه تطلق خيطًا أسطوريًا جديدًا: فيشبه نمير نفسه بالمسيح الذي تُرك في مصر ، ليس الأمر تشبيهًا حرفيًا بقدر ما هو رغبة في أن يتحول الواقع المهشم إلى حكاية دينية أو أسطورية، تمامًا كما يفعل الفيلم طوال الوقت حين يستعير من شاهين، ومن الذاكرة الشعبية، ومن الرموز القديمة ، كل ذلك يؤكد أن نمير لا يسعى لاستعادة ما مضى، بل لإعادة تشكيله عبر نسخ موازية أقل ألمًا وأكثر قدرة على الاحتمال.
تبلغ هذه الرغبة في إعادة الخلق ذروتها في اللحظة التي يعيد فيها المخرج مونتاج لحظة تلقي والدته نتائج التحاليل التي أثبتت إصابتها بالسرطان، ويغير النتيجة داخل الفيلم إلى نتيجة سلبية ، ما يفعله نمير هنا ليس خداعًا بصريًا، بل ترميمًا رمزيًا ، محاولة لمنح الأم نهاية أخرى لم تسمح بها الحياة ،هكذا تتحول السينما إلى مساحة للاحتمالات، إلى ماضٍ بديل، إلى ما كان يمكن أن يحدث لو امتلكت الذاكرة فرصة ثانية.
ورغم ثقل الموضوع، يتخلل الفيلم حس فكاهي هادئ يقف ضد الميل التلقائي إلى البكائيات، هذه الفكاهة ليست تهربًا من الألم، بل طريقة لترويضه، تسمح للمخرج بالاقتراب من جرحه دون أن يغرق فيه، وتمنح المتفرج مسافة تمكنه من النظر إلى الحزن من دون ابتزاز أو ميلودراما.
من أكثر عناصر الفيلم جرأة هو دمج لقطات يوسف شاهين داخل حكاية شخصية للغاية ، قد يبدو ذلك مخاطرة كبيرة، كيف يمكن إدخال المقدس السينمائي في قصة عائلية؟ لكن الفيلم ينجح في ذلك لأن هدفه ليس مقارنة نفسه بشاهين، بل إعادة بناء ذاته باستخدام مادة تشكل جزءًا من ذاكرته العاطفية والسينمائية، هنا يصبح المونتاج أداة خلق، لا مجرد أداة ربط ، السينما لا تحفظ الذاكرة كما هي، بل تمنحها لغة جديدة وأشكالًا جديدة للحياة.
أما التترات الافتتاحية، التي تستدعي شكل سيتكومات الألفينات، فقد تبدو غريبة وسط هذه الرحلة الجادة، لكنها في الحقيقة امتداد لمشروع الفيلم في إعادة تدوير الذاكرة البصرية، حتى إن كانت تخلق نوعًا من المسافة أو التساؤل حول علاقتها بباقي لغة الفيلم.
في النهاية، الحياة بعد سهام ليس فيلمًا عن الأم أو عن الأب، بل عن المخرج نفسه وهو يحاول أن يفهم كيف يعيش “بعد كل شيء”. فيلم يجمع بين الأسطورة والواقع، بين الصدمة والضحك، وبين الماضي وما كان يجب أن يكون ، إنه محاولة لفعل ما فعلته إيزيس: جمع ما تبعثر، وإحياء ما رحل، وصناعة حياة ثانية ولو داخل السينما.
Comments
Post a Comment