Posts

Showing posts from December, 2025

الحياد المستحيل: المتفرج كشاهد في فيلم مجرد حادث

Image
ليس من السهل الاقتراب من فيلم جديد لجعفر بناهي دون أن يسبقنا إليه الخطاب السياسي ، إسم بناهي بحكم تاريخه مع المنع والملاحقة، بات محملًا بدلالة تتجاوزه كسينمائي ، لكن "مجرد حادث" يفرض علينا وربما يطالبنا بفصل ضروري بين الفيلم كعمل سينمائي، وبين سياقه السياسي، وبين الجوائز التي تحيط به، وعلى رأسها فوزه بالسعفة الذهبية ، هذا الفصل لا يعني إنكار السياسة، بل بالعكس: هو محاولة لرؤيتها كما يراها بناهي نفسه، لا كخطاب مباشر، وإنما كـ بنية فيلمية، كاختيار جمالي، وكطريقة تنظيم للزمن، للمكان، ولعلاقة المتفرج بما يُعرض أمامه. جعفر بناهي هنا ليس صانع شعارات، بل سينمائي مخضرم يعرف أدواته جيدًا، يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترك الصورة تقوم بالمهمة كاملة، حتى خطابه السياسي، وهو حاضر بلا شك، يخرج في صورة فيلمية معلبة و موزونة، خالية من الانفعال الزائد أو المبالغة الخطابية، السياسة في مجرد حادث ليست صراخًا، بل نظام مراقبة ،منذ اللقطات الأولى، يعتمد بناهي على لقطات طويلة ومحايدة، تكاد تكون باردة ، الكاميرا لا تنحاز، لا تقترب كثيرًا، ولا تمنحنا فرصة التعاطف السهل ، هذا الخيار الجم...

الست: سيرة تُرى أكثر مما تُعاش

Image
  ينتمي فيلم «الست» لمروان حامد إلى تقليد سينمائي بالغ الحساسية: فيلم السيرة الذاتية ، وهو تقليد لا يقوم فقط على سرد حياة شخصية عامة، بل على إعادة تأويل علاقتها بالزمن، بالسلطة، وبالذاكرة الجمعية، تكمن أزمة هذا النوع في خطرين متقابلين: التقديس الذي يحول الشخصية إلى تمثال، والاختزال الذي يحولها إلى مجموعة محطات زمنية ، يقع الست في الفخ الثاني، حيث تُختزل أم كلثوم إلى سلسلة لحظات مفصلية، بلا تحليل بنيوي للشروط الاجتماعية والسياسية التي صنعتها ، يختار مروان حامد أن يقترب من أيقونة بحجم أم كلثوم، ليس بكونها سؤالًا مفتوحًا أو لغزًا إنسانيًا، بل بوصفها “موضوعًا جاهزًا” قابلًا للتجميع، كأننا أمام مشروع إعادة تصنيع أكثر من كوننا أمام محاولة فهم ، ومنذ اللقطة الأولى، يعلن الفيلم عن هذا الالتباس الجوهري. الافتتاح بلقطة طويلة واضاءة دافئة إلي حد ما توحي أننا بصدد تأسيس اسلوبية شاعرية ، لكن سرعان ما ينتهي ذلك مع اول قطع في الفيلم ، لتتحول اللقطة الاولي لمجرد لقطة استعراضية بلا امتداد درامي ، أيضا اختيار ان يكون مشهد الافتتاح بحفلة لأم كلثوم في فرنسا، اول صوت نسمعه هو صوت متحدث بلغة...

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia

Image
من يشاهد Bugonia يدرك أن السؤال المركزي ليس: ما الذي يريد الفيلم قوله؟ بل: لماذا صنع لانثيموس هذا الفيلم بالأساس؟ والإجابة الأكثر صدقًا ربما تكون: هو نفسه لا يعرف يأتي Bugonia كواحد من أكثر أفلام يورغوس لانثيموس ارتباكًا في مسيرته، فيلم يبحث عن ذاته ولا يجدها، ويبدو كما لو أن مخرجه نفسه لم يعد يعرف لماذا يصنع أفلامه ، بداية من فيلم أشياء فقيرة يغرق لانثيموس في موجة استهلاكية، كثافة في الإنتاج لا تحمل معنى بقدر ما تكشف عن انخراطه في ماكينة بصرية تبتلع كل ما حولها دون جوهر واضح ، فلم يعد غريبًا أن يصنع فيلمًا كل عامين، بميزانيات ضخمة وبنجوم من الصف الأول. لكن هذه الكثافة الإنتاجية لم تضف شيئًا إلى لغته، بل سلبته أهم ما كان يملكه: الغرابة الأصيلة. كان لانثيموس دائمًا مهتمًا بتفكيك البنى الاجتماعية والرأسمالية القمعية، وإعادة ترتيب العلاقات الإنسانية عبر عالم غرائبي خاص به. لكن في Bugonia، تبدو محاولاته التصويرية والرمزية أقرب إلى عمل لمخرج لأول مرة، فاقد لليقين، وبعيد تمامًا عن صرامة وأصالة لغته السينمائية السابقة ، يتجلى ذلك في كل شيء: من عنوان الفيلم وحتى "الفضائي المحب...

سينما بلا بطل: بول توماس أندرسون منقذ هوليوود الخفي

Image
في زمن خنقت فيه هوليوود السينما داخل فردانية النجم وتوحش السوق، يبدو بول توماس أندرسون دون ادعاء أو استعراض كأحد أهم منقذي السينما الأميركية، لا لأنه يقدم بطلاً جديدًا، بل لأنه يحرر السينما نفسها من الحاجة إلى الأبطال.. لا تظهر أفلام بول توماس أندرسون بوصفها حكايات عن الشخصيات، بل بوصفها رسائل اجتماعية عن القوى التي تصنع هذه الشخصيات، وتدفعها، وتعيد تشكيلها ، فكما فعل في Boogie Nights وMagnolia، يعود هنا في اخر افلامه معركة تلو الأخري إلى تفكيك مركزية الفرد، ولكن هذه المرة بحدة أكثر وضوحًا: ليست هناك بطولة فردية أصلًا، ليس هناك “توم كروز” يمكن أن يحمل الفيلم على كتفيه ،حتى حين يحضر ليوناردو دي كابريو، واحد من آخر نجوم هوليوود التقليديين، لا يُعامل كقطب للمعنى، بل كجزء من منظومة، حضوره يمكن أن يتساوى مع شون بين، وربما يتفوق الأخير تأثيرًا، لأن الفيلم لا يملك بطلًا، بل يملك شبكة ، أندرسون لا يحذف مركزية البطل كي يصنع شكلًا جديدًا، بل كي يفضح ما لا يُرى ،فغياب "البطل" ليس غيابًا تقنيًا، بل موقفًا فكريًا وجماليًا ضد فردنة السلطة وضد التخيل الأخلاقي الفردي في السينما ،يتحول الممثل...

من محاكاة التاريخ إلى استهلاك الرموز: تارنتينو وثقافة الوعي المفرغ

Image
يبدو كوينتن تارنتينو، في كل مرة، كمنتج أمريكي خالص ليس فقط ابن الصناعة الهوليوودية، بل ابن ثقافة بُنيت على استهلاك الصورة،وإعادة تدوير المرجعيات البصرية من دون تأسيس خطاب معرفي، وتحويل الاستفزاز إلى سلعة تجارية ذات طابع فني ، هو نتاج واضح لثقافة السينما في أمريكا، تلك التي تقدم نفسها باعتبارها المركز، وترى العالم بوصفه حكايات يمكن استغلالها وتقطيعها وإعادة توليفها لإثارة الجمهور ، لا أدوات للتفكير. لا يمكن إنكار أثر تارنتينو على المستوى الصناعي إيقاع سريع، كتابة تعتمد على الحوار كسلاح ممتع، عنف بوصفه كوميديا سوداء، وإشارات مستمرة لثقافة البوب كأن السينما مجرد ألبوم ذكريات مشوه ، لكن الأثر الحقيقي لتارنتينو ليس في تطوير لغة السينما بقدر ما هو في تثبيت النموذج الأمريكي لفكرة المخرج النجم: ذلك الذي يصنع صدمة فيصبح أيقونة، بغض النظر عن قيمتها المعرفية أو الأخلاقية. على الرغم من امتلاك تارنتينو ثقافة سينمائية واسعة، فإن هذه الثقافة تبدو في حدود “الاقتباس الاستعراضي”، لا في حدود الوعي بوظيفة الصورة في التاريخ والمجتمع ، هنا يبرز تعليق جان لوك جودار بوصفه مدخلًا لقراءة هذا العجز ،...

كيف يعيد الرعب ابتكار نفسه: من الوحش البدائي إلى الرعب النفسي المعاصر

Image
في إحدى محاضرات السيناريو ، اثناء فترة دراستي ، تحدث أحد زملائي مع المحاضر عن رغبته في صناعة فيلم رعب كمشروع تخرجه فلم يتأخر المحاضر في الرد بالتقليل من هذا النوع ، وان تكلفة انتاجه صعبة وانك لم تقدر أبدا علي تنفيذها سواء اليوم او بعد عشر سنوات ، والافضل أن تكتب فيلم درامي " تكشف الجملة عن فهم ضيق لهذا النوع، وعن نظرة شائعة ترى أن الرعب فن طارئ أو سطحي، بينما تاريخه يشير إلى العكس تمامًا ، الحقيقة أن الرعب هو أكثر الأنواع ديناميكية وقدرة على إعادة الإختراع ، ربما لا يوجد نوع سينمائي تغير شكله ومعناه مثلما تغير الرعب على مدار قرن كامل ، وذلك ليس لأن السينما تغيرت، بل لأن الإنسان نفسه تغير ومخاوفه تغيرت معه ، فالرعب، ببساطة، هو الفن الذي يعيش على الخوف والخوف كائن يتبدل، يستقر حينًا، وينفجر حينًا آخر ، لذلك لا يمكن للرعب أن يبقى كما هو ، كل مرحلة تاريخية تصنع وحشها الخاص، وكل مرحلة تتخلص من الوحش السابق حين يصبح بلا معنى ، هكذا يتقدم النوع: عبر قتل صورته القديمة ليولد من جديد صورة أكثر قسوة أو أكثر تجريدًا. البداية لم تكن “رعبًا” بمعناه الحالي ، كانت السينما نفسها ساحرًا...