Posts

Showing posts from March, 2026

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

Image
حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات هل يمكن لأي فعل يومي اعتيادي أن يتحول إلى منتج سردي سينمائي؟ أم أن هذا التحول محكوم سلفًا بالسقوط داخل تصنيف «الوثائقي» أو «التسجيلي»؟ هذا السؤال يفترض ضمنيًا أن التصنيف السينمائي حقيقة جمالية ثابتة، بينما يمكن النظر إليه تاريخيًا بوصفه بناءً صناعيًا نشأ بالتوازي مع تطور السوق السينمائي، خاصة داخل النموذج الأميركي الذي إحتاج إلى تقسيم المنتجات الثقافية لضمان وضوح التسويق وتحديد الجمهور المستهدف ، بهذا المعنى لم تكن الأنواع السينمائية نتيجة طبيعية لتطور اللغة السينمائية بقدر ما كانت آلية لتنظيم التداول الاقتصادي للصورة ، لكن السينما في لحظتها الأولى لم تكن تعرف هذه الحدود أصلًا، عندما صور الأخوان لوميير عمالًا يغادرون المصنع أو قطارًا يدخل المحطة، لم يكن هناك سؤال عن النوع السينمائي ، كانت السينما ببساطة: قطعة من الزمن محفوظة داخل إطار ، لم تكن هناك قصة بالمعنى التقليدي، ولا حبكة، ولا بناء درامي ، فقط الحياة وهي تحدث . من هنا يمكن فهم سينما اليوميات لا كنوع سينمائي، بل كعودة إلى الأصل ، سينما اليوميات تفترض فكرة راديكالية بسيطة : كل لح...

ميشيل: لص أم فيلسوف فاشل؟ : قراءة في فيلم النشال لبريسون

Image
يبدأ فيلم النشال برسالة مكتوبة واضحة : "هذا ليس فيلمًا بوليسيًا." تصريح يبدو اليوم مباشراً إلى حد الابتذال لو استُخدم بنفس الصيغة، لكنه في لحظته التاريخية كان إعلان موقف جمالي حاد ، لم يكن بيرسون يشرح فيلمه بقدر ما كان يختار جمهوره سلفًا، واضعًا حدود التلقي منذ اللحظة الأولى ، ليسحب بهذه الجملة من المتفرج كل ما قد ينتظره عادة من فيلم عن السرقة: لا لغز، لا مطاردة، ولا متعة التشويق التقليدية ، المجرم معروف منذ الدقيقة الأولى، والجريمة ليست عقدة سردية بل حالة وجودية ، النشال هنا ليس شخصية منبوذة أو وحيدة كما اعتادت السينما تصوير المجرمين ، بل على العكس يمتلك صديقًا يحاول مساعدته باستمرار ، وأم تترجاه ان يعود للبيت ، ومع ذلك يواصل السرقة، لا بدافع الحاجة أو الضغط، بل كأنها ضرورة داخلية غامضة ، ليتحول اهتمام الفيلم من ماذا سيحدث؟ إلى لماذا يحدث الان ؟ كسؤال أخلاقي ونفسي أكثر منه سرديًا. في العادة تكون اللقطة الافتتاحية مكرسة للبطل، وجهًا أو حضورًا جسديًا يؤسس للتماهي ،لكن بريسون يفتتح فيلمه بلقطة قريبة ليد تمسك بالمال ،افتتاحية لا تقدم الشخصية بل الفعل ، هذه اللقطة لا ...

ما الذي يبقى عندما يختفي كل شيء؟ :قراءة في The Vanishing (1988)

Image
يبدأ فيلم The Vanishing (1988) بلقطة لحشرة تتماهى مع جذع شجرة، محاولةً الاختفاء داخل العالم الذي تنتمي إليه، وينتهي باللقطة ذاتها تقريبًا، لكن بلون مختلف ، تماهٍ يبدو للوهلة الأولى وكأنه اختفاء تام، إلا أنه في الحقيقة لا ينفي الوجود بقدر ما يعيد تعريفه ، فالكائن لا يختفي، بل يغير فقط طريقة رؤيتنا له ،منذ هذه اللحظة الأولى، يضعنا الفيلم أمام سؤاله المركزي: هل الغياب هو انعدام الوجود، أم مجرد فقدان القدرة على إدراكه؟ بهذه اللقطة تبدأ رحلة بطيئة، إيقاعها لا يُرى بقدر ما يُحس، يتسلل تحت الجلد تدريجيًا ، في الدقائق الأولى نشعر بأن شيئًا ما على وشك الحدوث، لكن لا شيء يحدث فعليًا وكأن الفيلم يجس نبض المتفرج لا أكثر ، مثال لذلك عندما تتعطل السيارة داخل النفق في الثلث الأول، يتسلل إلينا شعور الكارثة عبر الأصوات وقلق الشخصيات وضيق المكان، لكن الموقف يمر بسلاسة غير متوقعة، وكأن الفيلم يتعمد تدريبنا على القلق دون مكافأة فورية ، هذه الخدعة السردية تصبح لاحقًا جوهر التجربة، حين تختفي الفتاة في أكثر اللحظات اعتيادية أثناء ذهابها إلى السوبرماركت. من هنا يتحول الفيلم جذريًا: نحن...