ميشيل: لص أم فيلسوف فاشل؟ : قراءة في فيلم النشال لبريسون
يبدأ فيلم النشال برسالة مكتوبة واضحة : "هذا ليس فيلمًا بوليسيًا."
تصريح يبدو اليوم مباشراً إلى حد الابتذال لو استُخدم بنفس الصيغة، لكنه في لحظته التاريخية كان إعلان موقف جمالي حاد ، لم يكن بيرسون يشرح فيلمه بقدر ما كان يختار جمهوره سلفًا، واضعًا حدود التلقي منذ اللحظة الأولى ، ليسحب بهذه الجملة من المتفرج كل ما قد ينتظره عادة من فيلم عن السرقة: لا لغز، لا مطاردة، ولا متعة التشويق التقليدية ، المجرم معروف منذ الدقيقة الأولى، والجريمة ليست عقدة سردية بل حالة وجودية ، النشال هنا ليس شخصية منبوذة أو وحيدة كما اعتادت السينما تصوير المجرمين ، بل على العكس يمتلك صديقًا يحاول مساعدته باستمرار ، وأم تترجاه ان يعود للبيت ، ومع ذلك يواصل السرقة، لا بدافع الحاجة أو الضغط، بل كأنها ضرورة داخلية غامضة ، ليتحول اهتمام الفيلم من ماذا سيحدث؟ إلى لماذا يحدث الان ؟ كسؤال أخلاقي ونفسي أكثر منه سرديًا.
في العادة تكون اللقطة الافتتاحية مكرسة للبطل، وجهًا أو حضورًا جسديًا يؤسس للتماهي ،لكن بريسون يفتتح فيلمه بلقطة قريبة ليد تمسك بالمال ،افتتاحية لا تقدم الشخصية بل الفعل ، هذه اللقطة لا تعمل فقط كمدخل قرائي للفيلم، بل كبيان أسلوبي يستمر حتى النهاية.
أسلوبية الفيلم قائمة على اقتصاد بصري صارم، حيث يتم توجيه عين المتفرج بدقة شبه رياضية نحو ما يريد بريسون أن يُرى فقط ، التصميم الإنتاجي يبدو بسيطًا ظاهريًا، لكنه شديد الذكاء في خدمته لفكرة المينيمالية ، نادرًا ما نرى لقطات واسعة ، يعتمد الفيلم بشكل شبه كامل على الـ medium shot والـ close-up، وكأن العالم يتقلص تدريجيًا ليصبح مساحة أفعال صغيرة وحركات دقيقة ، اليد، الجيب، النظرة، الإيقاع ، كلها تتحول إلى عناصر درامية أساسية.
تفصيلة مثل باب غرفة ميشيل الذي لا يُغلق أثناء غيابه تكشف الكثير دون أي شرح مباشر ، وسيلة الإغلاق الوحيدة هي قفل داخلي بسيط، ما يجعل الغرفة متاحة لأي شخص ، المفارقة هنا أن الغرفة مليئة بالكتب وتقع في حي فقير؛ لا أحد سيسرق الكتب. كأن بريسون يلمّح إلى أن المعرفة لا تُغري أحدًا، بينما المال وحده يحمل قيمة التداول ، هذه الهشاشة المادية للمكان تعكس هشاشة داخلية لدى ميشيل نفسه كشخص يعيش بلا حماية حقيقية، رغم محاولته فرض سيطرة عقلية على العالم.
يستعمل بريسون كتاب The Prince of Pickpockets كاستعارة بصرية واضحة لفكر الشخصية ، وإحالة إلى تصور أخلاقي فرداني يمنح ميشيل مبررًا ضمنيًا لأفعاله، فأهمية الكتاب داخل الفيلم لا تكمن في موضوعه فقط، بل في نوع السيرة التي يقدمها: سيرة مجرم يرى نفسه استثناءً أخلاقيًا لا منحرفًا اجتماعيًا ، جورج بارينغتون لم يكن لصًا بدافع الفقر، بل بدافع الإحساس بالتفوق والذكاء، وكان يتعامل مع السرقة كفن يتطلب مهارة وأناقة أكثر منه كفعل إجرامي ،هذا التصور ينعكس مباشرة على ميشيل، الذي لا يظهر أبدًا كضحية ظروف اقتصادية، بل كشخص يختبر العالم عبر فعل السرقة نفسه ، وجه الشبه الأعمق بين بارينغتون وميشيل هو علاقتهما بفكرة الشرعية الذاتية ، كلاهما يمنح نفسه حقًا داخليًا يتجاوز القانون ، بنفس الطريقة لا يرى ميشيل نفسه مذنبًا بقدر ما يعتبر نفسه مختلفًا، شخصًا يعمل وفق نظام أخلاقي خاص لا يفهمه الآخرون ، كلا الشخصيتين أيضًا تعيشان انفصالًا غريبًا عن المجتمع: اندماج ظاهري يقابله اغتراب داخلي ، بارينغتون كان يتحرك وسط الطبقات الراقية بينما يسرقها، وميشيل يتجول وسط الحشود بلا أثر عاطفي حقيقي تجاهها ، السرقة هنا ليست اعتداءً على المجتمع بقدر ما هي وسيلة لإثبات التفوق عليه.
لكن المفارقة الأهم تكمن في المصير ، سيرة بارينغتون تنتهي بنوع من التحول بعد العقاب والنفي، حيث يصبح السجن بداية إعادة تشكيل الهوية لا نهايتها ،هذا المسار يوازي نهاية ميشيل داخل السجن، حين تظهر إمكانية الخلاص العاطفي لأول مرة ، وكأن بريسون يزرع داخل الفيلم سيرة مستقبلية محتملة لشخصيته: ما نراه في الكتاب هو ما قد يصبح عليه ميشيل لاحقًا, إنسان لا يصل إلى وعيه إلا بعد السقوط الكامل ، بهذا المعنى، لا يعمل الكتاب كمرجع تاريخي فقط، بل كمرآة زمنية مزدوجة: ميشيل يقرأ ماضي بارينغتون، بينما يشاهد المتفرج مستقبل ميشيل المحتمل.
الأداء هنا منزوع التعبير تقريبًا ،وجوه جامدة، نبرات صوت مسطحة، وحركات تبدو آلية أحيانًا ، هذا الاختيار ليس ضعفًا تمثيليًا بل قرارًا جماليًا واعيًا يهدف إلى إلغاء الأداء المسرحي لصالح حضور جسدي خالص.
الممثل في سينما بريسون لا يعبر عن الشعور ، بل يمر عبره ، الحركة أهم من الانفعال، والفعل أهم من التفسير النفسي ، نلاحظ ذلك خصوصًا في مشاهد السرقة الجماعية داخل المحطات، حيث تتحول الأجساد إلى منظومة ميكانيكية دقيقة: يد تفتح حقيبة، أخرى تستلم المحفظة، جسد يحجب الرؤية، وخطوات محسوبة بدقة إيقاعية ، هنا يصبح الممثل أداة ضمن تركيب بصري أشبه بالرقصة أو بالآلة، لا مركزًا دراميًا منفردًا.
هذا التجريد في الأداء يخلق مفارقة غريبة: كلما قل التعبير الخارجي، ازداد حضور الحياة الداخلية ، المتفرج لا يتلقى الشعور جاهزًا، بل يُجبر على إنتاجه بنفسه ، الصمت العاطفي للشخصيات يفتح مساحة إسقاط واسعة، فنبدأ نحن في ملء الفراغات النفسية التي يرفض الفيلم تفسيرها .
في النهاية، يظهر أول تصدع حقيقي في صلابة ميشيل العاطفية ،
الشخصية التي بدت منذ البداية جامدة الملامح، شبه آلية في حركتها، تكتشف شعورًا متأخرًا داخل السجن عندما تأتي جين لزيارته ، القبلة بين القضبان تبدو في البداية نهاية رومانسية مربكة، وربما غير منسجمة مع برودة الفيلم السابقة، لكنها بعد انتهاء المشاهدة تتحول إلى لحظة كشف: السجن لم يكن بداية العقاب بل بداية الإحساس.
كأن ميشيل لم يصل إلى الحرية إلا بعد أن فقدها، ولم يدرك الآخر إلا حين أصبح معزولًا عنه بالكامل ، وهنا يصبح الفيلم، الذي أعلن منذ البداية أنه ليس بوليسيًا، أقرب إلى رحلة روحية صامتة، دراسة عن العزلة، الإرادة، وإمكانية الخلاص عبر الاعتراف المتأخر بالآخر.
Comments
Post a Comment