ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia

من يشاهد Bugonia يدرك أن السؤال المركزي ليس: ما الذي يريد الفيلم قوله؟ بل: لماذا صنع لانثيموس هذا الفيلم بالأساس؟ والإجابة الأكثر صدقًا ربما تكون: هو نفسه لا يعرف

يأتي Bugonia كواحد من أكثر أفلام يورغوس لانثيموس ارتباكًا في مسيرته، فيلم يبحث عن ذاته ولا يجدها، ويبدو كما لو أن مخرجه نفسه لم يعد يعرف لماذا يصنع أفلامه ، بداية من فيلم أشياء فقيرة يغرق لانثيموس في موجة استهلاكية، كثافة في الإنتاج لا تحمل معنى بقدر ما تكشف عن انخراطه في ماكينة بصرية تبتلع كل ما حولها دون جوهر واضح ، فلم يعد غريبًا أن يصنع فيلمًا كل عامين، بميزانيات ضخمة وبنجوم من الصف الأول. لكن هذه الكثافة الإنتاجية لم تضف شيئًا إلى لغته، بل سلبته أهم ما كان يملكه: الغرابة الأصيلة.

كان لانثيموس دائمًا مهتمًا بتفكيك البنى الاجتماعية والرأسمالية القمعية، وإعادة ترتيب العلاقات الإنسانية عبر عالم غرائبي خاص به. لكن في Bugonia، تبدو محاولاته التصويرية والرمزية أقرب إلى عمل لمخرج لأول مرة، فاقد لليقين، وبعيد تمامًا عن صرامة وأصالة لغته السينمائية السابقة ، يتجلى ذلك في كل شيء: من عنوان الفيلم وحتى "الفضائي المحبوك بالكروشيه" الذي لا يحمل أي ثقل رمزي، بل يظهر كاستعارة سطحية ومباشرة لدرجة تكاد تكون ساذجة ، الرمز الذي كان في السابق حادًا وجارحًا ومرعبًا، تحول هنا إلى ديكور مُسرف في الغرابة لكنه فارغ من الداخل ،يبدو كما لو أنه صُنع لإثارة الضحك أكثر مما صنعت لإثارة التفكير.

المشاهد الدموية المبالغ فيها هي محاولة لمحاكاة النوع الياباني في تطرفه البصري، لكن لانثيموس هنا يتجاهل أهم عنصر في هذه السينما وهو السياق الثقافي والجمالي الذي يبرر هذا التطرف ، مما يجعل النتيجة باردة وغير مؤثرة ، هي دماء بلا صدمة، وبشاعة بلا أثر، لا تدفع المشاهد إلى الاشمئزاز، ولا تُشحن بها العواطف، وكأن الفيلم يلهث خلف مرجعيات لا ينتمي إليها ولا يعرف كيف يتعامل معها.
يضيف لانثيموس طبقة أخرى من الضغط على المتفرج عبر موسيقى مباشرة ومفروضة، كأن الفيلم يتعامل مع المشاهد بتعالٍ: كل فريم لن يعلق بذاكرتك إلا إذا دفعتك الموسيقى إلى ذلك ، لكن هذا الاختناق السمعي لا يعوض فراغ الصورة، بل يكشف أكثر خوف الفيلم من الفراغ، وتعري ضعفه بدلًا من أن تغطيه ،المؤثرات الصوتية هنا ليست جزءًا من العالم، بل فوق العالم ، تتدخل بدلًا من أن تتناغم وتملي بدلًا من أن تفتح مساحة.
 أن أكثر لحظات الفيلم صدقًا وعمقًا تأتي في آخر دقيقتين المشهد الوحيد الذي يستعيد شيئًا من روح لانثيموس القديمة، هناك شيء يشبه سينما لانثيموس الأولى: سينما المكان وليس سينما الاستوديو.

Bugonia ليس مجرد فيلم ضعيف بل هو علامة على مخرج يقف عند مفترق طرق، ممزق بين رغبته في البقاء داخل دائرة الإنتاج الضخم، وبين لغته الأصلية التي لم يعد يجد طريقًا إليها ، هو فيلم بلا هوية، بلا بوصلة، وبلا جوهر ، وربما هو انعكاس واضح لحالة لانثيموس نفسه في السنوات الأخيرة.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها