الحياد المستحيل: المتفرج كشاهد في فيلم مجرد حادث
ليس من السهل الاقتراب من فيلم جديد لجعفر بناهي دون أن يسبقنا إليه الخطاب السياسي ، إسم بناهي بحكم تاريخه مع المنع والملاحقة، بات محملًا بدلالة تتجاوزه كسينمائي ، لكن "مجرد حادث" يفرض علينا وربما يطالبنا بفصل ضروري بين الفيلم كعمل سينمائي، وبين سياقه السياسي، وبين الجوائز التي تحيط به، وعلى رأسها فوزه بالسعفة الذهبية ، هذا الفصل لا يعني إنكار السياسة، بل بالعكس: هو محاولة لرؤيتها كما يراها بناهي نفسه، لا كخطاب مباشر، وإنما كـ بنية فيلمية، كاختيار جمالي، وكطريقة تنظيم للزمن، للمكان، ولعلاقة المتفرج بما يُعرض أمامه.
جعفر بناهي هنا ليس صانع شعارات، بل سينمائي مخضرم يعرف أدواته جيدًا، يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترك الصورة تقوم بالمهمة كاملة، حتى خطابه السياسي، وهو حاضر بلا شك، يخرج في صورة فيلمية معلبة و موزونة، خالية من الانفعال الزائد أو المبالغة الخطابية، السياسة في مجرد حادث ليست صراخًا، بل نظام مراقبة ،منذ اللقطات الأولى، يعتمد بناهي على لقطات طويلة ومحايدة، تكاد تكون باردة ، الكاميرا لا تنحاز، لا تقترب كثيرًا، ولا تمنحنا فرصة التعاطف السهل ، هذا الخيار الجمالي يخلق إحساسًا دائمًا بالمراقبة والترقب، كأننا لا نشاهد فيلمًا بقدر ما نراقب حدثًا جار، أو نطالع تسجيلًا ما ، اللافت هنا أن هذا الإحساس لا يقود إلى التورط العاطفي، بل إلى العكس تمامًا: إلى وعي دائم بموقعنا كمشاهدين ، شخصيًا، لم أشعر لحظة واحدة أنني داخل الشخصيات أو متورط معها وجدانيًا ، الشعور الطاغي كان أنني مشاهد، وربما شاهد عيان. هذا الانفصال ليس ضعفًا، بل جزء من استراتيجية الفيلم: بناهي لا يريدك أن تتعاطف، بل أن تُفكر، وأن تُحاسب.
إيقاع الفيلم يتراجع قليلًا في منتصفه ويصبح اقل ثقلا من أول ثلث ، يحمل القليل من الكوميديا السوداء ، هذا التغير في الإيقاع قد يُحسب عليه، لكنه في الوقت نفسه يبدو متوقعًا، بل مقصودًا ،كأن بناهي يفرغ الشحنة الأولى، ويُهيئ المساحة للثلث الأخير، حيث يتخلى الفيلم تقريبًا عن أي إغراءات شكلية أو سردية، ويدخل في منطقة أكثر جفافًا وقسوة .
الثلث الأخير هو قلب الفيلم الحقيقي ، ربع ساعة كاملة تقريبًا بدون حركة كاميرا واحدة ، قرار يبدو للوهلة الأولى، تحديًا تقنيًا أو استعراضًا للقدرة، لكنه في العمق تأكيد على سيطرة بناهي المطلقة على أدواته ، الكاميرا الثابتة هنا ليست حيادًا فقط، بل حكمًا ، لا مهرب، لا قطع، لا إعادة صياغة ، الزمن يُفرض علينا كما هو ، تُجبر المتفرج على البقاء داخل المشهد دون مهرب بصري أو سردي ،هنا لا تعود الكاميرا مجرد أداة تسجيل، بل تتحول إلى سلطة زمنية، تفرض الاستمرار والمواجهة، وتمنع الاختصار أو التخفيف.
أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة للاهتمام هو موقع المتفرج، لا يسعى بناهي إلى خلق تعاطف تقليدي مع الشخصيات، بل يحافظ عمدًا على مسافة باردة بينها وبين المشاهد ، هذه المسافة ليست نقصًا في التورط العاطفي، بل استراتيجية واعية تهدف إلى إعادة تعريف دور المتفرج ، المشاهد هنا ليس طرفًا متماهيًا، بل شاهدًا والشهادة، بخلاف التعاطف، فعل أخلاقي مشروط بالمسؤولية ، الفيلم لا يسأل من المخطئ بقدر ما يسأل: ماذا يعني أن ترى؟ وماذا يترتب على المعرفة؟ وهل يكفي الوعي دون الفعل؟
وفي اللقطة الأخيرة، يتلاعب بنا بناهي بذكاء بالغ ،لا يمنحنا نهاية مكتملة، ولا يقدم خلاصة أخلاقية جاهزة، بدلًا من ذلك، يتركنا شهودًا على ما حدث وما سيحدث ، كأن الفيلم يرفض أن يُغلق، ويصر على الاستمرار خارج الشاشة ، هنا وللمرة الأولى ربما، يورطنا بناهي فعلًا ، لا عاطفيًا، بل أخلاقيًا.
مجرد حادث ليس فيلمًا يبحث عن الإعجاب، ولا عن التعاطف، ولا حتى عن الإدانة الواضحة ،إنه فيلم يضعك في موضع غير مريح، ويتركك هناك ، وهذا في حد ذاته، فعل سينمائي شديد القسوة… وشديد الصدق.
Comments
Post a Comment