الكاميرا كفعل تحرر: قراءة في جمالية المقاومة الفلسطينية
منذ مطلع القرن العشرين، تجاوزت السينما حدود الترفيه لتصبح أداة سياسية واجتماعية فاعلة، قادرة على كشف العنف، تحريض الوعي، وبناء سرديات مضادة للهيمنة ، من إيطاليا إلى أمريكا اللاتينية، أثبتت التجارب العالمية أن الفيلم يمكن أن يتحول إلى ساحة نضال، وأن الكاميرا ليست سوى شكل آخر من أشكال المقاومة ، ففي لحظات تاريخية مفصلية، تحولت الكاميرا إلى سلاح يكشف، يحرض، ويؤرشف، ليقدم منظورًا بصريًا يوازي النضال في الشارع أو في ساحة المواجهة.
فعندما استخدمت السينما الإيطالية بعد سقوط الفاشية أدوات الواقعية الجديدة لفضح خراب الحرب وإعادة الاعتبار للإنسان، لم تكن مجرد انعكاس للواقع، بل خطاب مقاومة مضاد لهيمنة الفاشية، يعيد الاعتبار للمهمشين ويطرح الأسئلة حول السلطة والعنف والاحتلال ، وفي الهند قدم ساتياجيت راي سرديات إنسانية محملة بوعي نقدي ضد الاستعمار البريطاني، حتى وإن لم تتخذ خطابًا مباشرًا ، أما أمريكا اللاتينية فكانت أكثر حدة ، سينما سولاناس ورفاقه في الأرجنتين والبرازيل تحولت إلى حركة سياسية كاملة “السينما الثالثة” حيث تعاملت مع الفيلم باعتباره فعلًا ثوريًا لا يقل أهمية عن المظاهرات والبيانات.
هذه التجارب مجتمعة تؤكد أن السينما، حين تستند إلى التزام سياسي أصيل، تصبح خطابًا موازيًا للمقاومة وليست مجرد وسيط بصري.
في الحالة الفلسطينية،تأخذ السينما بُعدًا أكثر حدة وضرورة حيث تمتلك السينما حمولة سياسية مضاعفة بحكم سياق الاستعمار المستمر منذ عقود ، من أعمال ميشيل خليفي التي أسست لسينما تُعري الاحتلال من قلب التجربة، إلى أفلام هاني أبو أسعد التي نقلت الصراع نحو فضاء التوتر النفسي والوجودي، نجد أن السينما الفلسطينية وُلدت أصلًا من الحاجة إلى توثيق الذات، والرد على الرواية الصهيونية، وتثبيت الذاكرة في مواجهة محو منهجي.
فالسياق الاستعماري المستمر منذ عقود جعل من الفيلم وسيلة لحماية الذاكرة، وتعرية البنية العنيفة للاحتلال، وتثبيت رواية الفلسطينيين في مواجهة محاولات المحو ، وهنا تبرز تجربتان مركزيتان في تشكيل خطاب بصري مقاوم: كمال الجعفري وإيليا سليمان.
كمال الجعفري أعاد تعريف علاقة الصورة بالمدينة المحتلة ، في أعماله التي تستخدم مواد أرشيفية أو لقطات من كاميرات الاحتلال نفسها، تتحول اللقطة إلى مساحة استعادة، حيث يقوم بإعادة تركيب المدن الفلسطينية التي هدمت أو شوهت بصريًا بفعل السيطرة الإسرائيلية ، سينماه مقاومة على مستوى الشكل قبل المضمون: مقاومة عبر الحذف، الاستعادة، التلاعب بالمنظور، وإرباك خطاب القوة البصرية الذي تفرضه إسرائيل ، فيلم الجعفري لا يقدم سردًا مباشرًا عن الاحتلال، بل يفكك لغته البصرية، وبهذا يصبح فعله السينمائي نوعًا من تخريب سرديات السيطرة.
إيليا سليمان، من جهة أخرى، يقترح نموذجًا مختلفًا تمامًا ، عبر استخدام الكوميديا السوداء واللقطات الطويلة الصامتة، يبني عالماً يبدو ساخرًا وهادئًا، لكنه محمل بعنف غير مرئي ، المقاومة هنا ليست في المواجهة المباشرة، بل في فضح العبثية البنيوية للاحتلال من خلال جمالية محسوبة، تجعل المشاهد يختبر قسوة الواقع من خلال مفارقاته ، سليمان يقدم فلسطين كفضاء ممزق بين اليومي والسياسي، بين الطبيعي واللامعقول، ويجعل من الجسد الفلسطيني ذاته مساحة مقاومة بصرية.
ورغم عمق هذه التجارب، تظل السينما الفلسطينية الحديثة محكومة بتوتر حاد: الحاجة إلى سرد واقع الاحتلال، مقابل التوقعات الجمالية والسياسية للسوق العالمي ، فإذا كان بعض صانعي الأفلام يصيغون أعمالهم من داخل التجربة الفلسطينية وصدمة العيش تحت الاحتلال، فإن آخرين قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى تليين الحواف دراميًا وسياسيًا لجعل أفلامهم "صالحة للمهرجانات" أو "أسهل" على جمهور خارجي أقل وعيًا بتعقيدات الصراع.
ففي العقود الأخيرة، بات ظهور عدد كبير من الأعمال الفلسطينية مرتبطًا بما يطلبه السوق الفني الغربي، الذي يميل لاستقبال أفلام تقدم المأساة الفلسطينية ضمن قوالب سردية "مفهومة" وسهلة الهضم لجمهور غير مسيّس ، هنا يظهر سؤال مزعج: هل ازدياد الإنتاجات يرتبط فعلًا بتصاعد الحاجة إلى التعبير، أم بتوسع الطلب العالمي على تمثيلات الصراع؟
هذا السؤال يفتح بابًا نقديًا على علاقة الإنتاج السينمائي بالتمويل، حيث يمكن لمنطق السوق أن يُعاد تشكيله في صورة خطاب التضامن، فيتحول الفيلم من فعل مقاومة إلى منتج متوافق مع توقعات المهرجانات واللجان الدولية.
وهذا التحول من خطاب مقاوم إلى منتج مسوق يهدد جوهر الفيلم السياسي فنري الفيلم الذي يساير شروط السوق يفقد حدته، بينما الذي ينطلق من التجربة الفلسطينية ذاتها مهما بدا أقل تلميعًا لكنه يمتلك أثرًا سياسيًا ووجوديًا أقوى.
السينما الفلسطينية، لكي تحافظ على دورها كسلاح مقاومة، تحتاج إلى الدفاع عن راديكاليتها السردية والجمالية ، أي محاولة لتكييف الخطاب مع شروط السوق العالمي، مهما كانت النوايا تهدد بإفراغ التجربة من طاقتها السياسية، وتحول المأساة إلى منتج قابل للتداول، منفصل عن جذوره التاريخية.
الفيلم المقاوم الحقيقي لا يبحث عن القابلية للعرض، بل عن القدرة على فضح، إصابة، وإعادة تشكيل الوعي.
إن قوة السينما الفلسطينية لا تكمن في صور الدمار وحدها، بل في قدرتها على إنتاج خطاب بصري ينتمي للناس والأرض والتجربة نفسها، لا لما ينتظره العالم منها ، خطاب قادر علي إعادة تعريف الصورة في مواجهة خطاب القوة البصرية الذي يحاول محوها.
Comments
Post a Comment