حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات


حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

هل يمكن لأي فعل يومي اعتيادي أن يتحول إلى منتج سردي سينمائي؟ أم أن هذا التحول محكوم سلفًا بالسقوط داخل تصنيف «الوثائقي» أو «التسجيلي»؟

هذا السؤال يفترض ضمنيًا أن التصنيف السينمائي حقيقة جمالية ثابتة، بينما يمكن النظر إليه تاريخيًا بوصفه بناءً صناعيًا نشأ بالتوازي مع تطور السوق السينمائي، خاصة داخل النموذج الأميركي الذي إحتاج إلى تقسيم المنتجات الثقافية لضمان وضوح التسويق وتحديد الجمهور المستهدف ، بهذا المعنى لم تكن الأنواع السينمائية نتيجة طبيعية لتطور اللغة السينمائية بقدر ما كانت آلية لتنظيم التداول الاقتصادي للصورة ، لكن السينما في لحظتها الأولى لم تكن تعرف هذه الحدود أصلًا، عندما صور الأخوان لوميير عمالًا يغادرون المصنع أو قطارًا يدخل المحطة، لم يكن هناك سؤال عن النوع السينمائي ، كانت السينما ببساطة: قطعة من الزمن محفوظة داخل إطار ، لم تكن هناك قصة بالمعنى التقليدي، ولا حبكة، ولا بناء درامي ، فقط الحياة وهي تحدث.

من هنا يمكن فهم سينما اليوميات لا كنوع سينمائي، بل كعودة إلى الأصل ، سينما اليوميات تفترض فكرة راديكالية بسيطة:

كل لحظة في حياة الإنسان تمتلك القيمة نفسها التي يمتلكها أي فريم داخل فيلم ، الفيلم هنا لا يبحث عن الاستثنائي، بل يعيد اكتشاف العادي ، الكاميرا لا تنتظر الحدث ، بل تمنحه شرعيته بمجرد النظر إليه ، ما يصبح مهمًا ليس ما يحدث، بل فعل الملاحظة نفسه ، وهذا ما يجعل المشاهد، في تجربته الأولى مع هذا النوع من السينما، يشعر بالارتباك ، قد يبدو الأمر سهلًا حد الابتذال: شخص يحمل كاميرا ويصور أصدقاءه، شوارع، لحظات عابرة، أوقات فراغ، تفاصيل بلا ذروة درامية واضحة. وقد يصل الحكم السريع إلى: "هذا ليس فيلمًا " ، لكن هذا الرفض لا ينبع من الصورة نفسها، بل من تاريخ طويل من ترويض عين المشاهد على شكل محدد لما يجب أن يكون عليه الفيلم.

لكن تبقى هذه الأفكار، في مستوى التنظير فقط، معرضة لأن تبدو مثالية أو حتى رومانسية ، فالسؤال الحقيقي ليس إن كان بالإمكان تخيل سينما تقوم على اللاحدث ، بل إن كان أحد قد عاش السينما بهذه الطريقة فعلًا ، هنا تحديدًا تظهر تجربة جوناس ميكاس، لا كمثال على سينما اليوميات، بل كحالة جعلت من الحياة نفسها شرطًا لوجود الفيلم ، فمع ميكاس لم تعد اليوميات موضوعًا للتصوير، بل أصبحت بنية وجودية للسينما ذاتها.

وُلد ميكاس في ليتوانيا، وعاش تجربة المنفى بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تجربة لم تؤثر فقط في موضوعاته، بل في تصوره للزمن نفسه ، المنفى عنده لم يكن فقدان مكان فحسب، بل فقدان الاستمرارية ، ولهذا أصبحت الكاميرا وسيلة لإعادة بناء الذاكرة الممزقة ، حين وصل إلى الولايات المتحدة، لم يدخل الصناعة السينمائية، بل وقف خارجها عمدًا ، هناك اعتُبر شاعرًا أكثر منه مخرجًا، لأن أفلامه لم تسعي إلى بناء سرد مغلق، بل إلى تسجيل تدفق الحياة كما يُعاش لا كما يُعاد تمثيله.

تعامل ميكاس مع حياته كلها كأنها فيلم طويل غير منتهٍ ، لم يكن الفيلم مشروعًا يبدأ بالتصوير وينتهي بالمونتاج، بل عملية مستمرة من العيش والتسجيل ، الكاميرا لم تكن أداة إنتاج، بل امتدادًا للإدراك نفسه ، وهنا يحدث الانقلاب الأساسي:

بدل أن تُختزل الحياة لتناسب شكل الفيلم، يصبح الفيلم مرنًا بما يكفي لاحتواء فوضى الحياة.

في المشاهدة الأولى لأفلام ميكاس، قد تبدو الصور عشوائية: لقطات مهتزة، إضاءات غير مضبوطة، زمن متقطع، غياب واضح للبناء الدرامي التقليدي ،هذا ما يدفع بعض المشاهدين إلى الشك في صفة «الفيلم» نفسها ،لكن هذا الإحساس باللا اكتمال ليس عيبًا تقنيًا، بل اختيارًا جماليًا واعيًا ، فالذاكرة الإنسانية لا تعمل وفق منطق الحبكة ، نحن لا نتذكر حياتنا كبداية ووسط ونهاية، بل كسلسلة ومضات، لحظات ناقصة، صور غير مستقرة ، سينما ميكاس تحاول الاقتراب من هذه البنية الذهنية للذاكرة بدل فرض نظام سردي خارجي عليها ، بهذا المعنى تصبح أفلامه أقرب إلى فعل التذكر منها إلى فعل السرد ، إنها لا تحكي ما حدث، بل كيف يبقى الحدث داخل الوعي.

ومن هنا تكمن خصوصية تجربة ميكاس ، بل في الطريقة التي أعاد بها تعريف العناصر الأساسية للسينما نفسها: الزمن، الكاميرا، والمونتاج.

لا يظهر الزمن عند ميكاس بوصفه خطًا متصلًا يقود إلى نتيجة، بل كتراكم لحظات غير متكافئة في الأهمية ، اللقطة عند ميكاس لا تُختار لأنها تخدم حبكة، بل لأنها نجت من النسيان ، الكاميرا لا تبحث عن المعنى مسبقًا ، إنها تلتقط العالم قبل أن يفهم نفسه ، هذا ما يمنح أفلامه إحساسًا دائمًا بالحضور الآني ، الصورة تبدو وكأنها تحدث للمرة الأولى حتى لو كانت تسجل ذكرى بعيدة ، فالميكروفيلم اليومي لديه ليس تسجيلًا للماضي، بل محاولة لإبقائه في حالة زمنية معلقة بين الذاكرة والحاضر.

المونتاج عنده لا ينظم الزمن، بل يعيد إنتاج آلية التذكر نفسها، اللقطات تتجاور وفق منطق عاطفي لا سببي؛ لحظة احتفال قد تتبعها عزلة، وصورة أصدقاء قد تقطع فجأة إلى شارع فارغ. هذا التوتر بين الامتلاء والفراغ يصنع الإيقاع الحقيقي لأفلامه، إيقاع يشبه تدفق الوعي أكثر مما يشبه البناء الدرامي ، الصوتيات، التعليقات الشخصية، وحتى العناوين المكتوبة داخل الصورة، لا تؤكد سلطة المؤلف بقدر ما تكشف هشاشته ، فميكاس لا يدعي امتلاك المعنى، بل يوثق محاولته المستمرة لفهم حياته أثناء مرورها ، يمكن القول إن مشروعه السينمائي كله كان محاولة لمقاومة الفقدان ، المنفى، الزمن، اختفاء الأصدقاء، تغير المدن ، كلها عناصر تواجه خطر الزوال، والكاميرا تصبح وسيلة لإبطاء هذا الاختفاء، لا لإيقافه ، السينما هنا لا تنتصر على الزمن، بل تتفاوض معه.

إستقلالية ميكاس لم تكن جمالية فقط، بل سياسية أيضًا ، اختياره الاقتصاد في الأدوات لم يكن نتيجة فقر تقني، بل موقفًا واعيًا ضد الصناعة التي تربط قيمة الفيلم بحجم إنتاجه ، لقد حرر الفيلم من شرط الكمال ، وبذلك نقل قيمة الفيلم من مستوى الإنجاز التقني إلى مستوى الحضور الإنساني داخل الزمن ، في هذا السياق، أسس تعاونية صناع السينما ، التي تبنت سياسة شبه راديكالية: عدم الرفض ، أي فيلم يمكن أن يجد مكانًا للتوزيع، بغض النظر عن مستواه التقني أو توافقه مع المعايير السائدة ،كانت الفكرة بسيطة وخطيرة في آن واحد: منح الحق في الوجود السينمائي للجميع.

وهنا يتحول السؤال من:

«هل هذا فيلم جيد؟»

إلى:

من يملك حق تعريف الفيلم أصلًا؟

هل يمكن لأي شيء أن يصبح فيلمًا؟

الإجابة التي تقترحها سينما اليوميات ليست «نعم» بالمعنى الساذج، بل: أي شيء يمكن أن يصبح فيلمًا إذا تغيرت طريقة النظر إليه ،  الفيلم لا يبدأ عند تشغيل الكاميرا، بل عند اتخاذ قرار الانتباه ، وما يبدو عاديًا ليس فقيرًا دراميًا، بل غير مُدرب على أن يُرى ، سينما اليوميات لا تحول الحياة إلى فن، بل تكشف أن الحياة كانت دائمًا كذلك.

Comments

Popular posts from this blog

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia