Posts

Showing posts from November, 2025

ظلال لاهث في ضوء لينكليتر: سينما تولد مرة أخرى

Image
من الصعب أن ترى فيلم Nouvelle Vague لريتشارد لينكليتر دون أن تشعر بأنك تدخل مختبرًا سينمائيًا يشتغل فيه المخرج على ذاكرة الفن نفسه: ذاكرة جودار، وصداماته، ولغته، وجرأته، وتناقضاته ، الفيلم ليس استعادة للماضي، بل محاولة جريئة لإعادة فتح الأسئلة التي طرحتها الموجة الجديدة في لحظة ولادتها، كأن لينكليتر يسأل من جديد: ماذا يحدث عندما نعامل السينما كفعل تفكير قبل أن تكون حكاية؟ التمثيل هنا لا يقتصر علي أداء للشخصيات، بل محاولة لالتقاط الجوهر الجوداري: شخصيات تتكلم وكأنها تعلن أفكارًا، تنظر للكاميرا كأنها تعي وجودها داخل فيلم، تتحرك بخفة لا واقعية ولكنها صادقة في عالمها الخاص ، لينكليتر لا يبحث عن تشابه بصري مع شخصيات جودار، بل عن تلاقي روحي ،كل ممثل يحمل ما يكفي من الغموض ليكون جادًا وهزليًا في الوقت ذاته ، جديًا وفوضويًا، سياسيًا وشخصيًا، تمامًا كما صنع جودار "شخصية الموجة الجديدة" ، هذا الكاستينج يمنح الفيلم حيوية تجعله أقرب إلى لقاء مع ممثلين يتحولون بأنفسهم إلى أبطال قصة عن صناعة فيلم، وليس إلى تجسيد شخصيات داخل فيلم مكتمل. اختيار لينكليتر تصوير الفيلم على شريط ٣٥ م...

الكاميرا كفعل تحرر: قراءة في جمالية المقاومة الفلسطينية

Image
منذ مطلع القرن العشرين، تجاوزت السينما حدود الترفيه لتصبح أداة سياسية واجتماعية فاعلة، قادرة على كشف العنف، تحريض الوعي، وبناء سرديات مضادة للهيمنة ، من إيطاليا إلى أمريكا اللاتينية، أثبتت التجارب العالمية أن الفيلم يمكن أن يتحول إلى ساحة نضال، وأن الكاميرا ليست سوى شكل آخر من أشكال المقاومة ، ففي لحظات تاريخية مفصلية، تحولت الكاميرا إلى سلاح يكشف، يحرض، ويؤرشف، ليقدم منظورًا بصريًا يوازي النضال في الشارع أو في ساحة المواجهة. فعندما استخدمت السينما الإيطالية بعد سقوط الفاشية أدوات الواقعية الجديدة لفضح خراب الحرب وإعادة الاعتبار للإنسان، لم تكن مجرد انعكاس للواقع، بل خطاب مقاومة مضاد لهيمنة الفاشية، يعيد الاعتبار للمهمشين ويطرح الأسئلة حول السلطة والعنف والاحتلال ، وفي الهند قدم ساتياجيت راي سرديات إنسانية محملة بوعي نقدي ضد الاستعمار البريطاني، حتى وإن لم تتخذ خطابًا مباشرًا ، أما أمريكا اللاتينية فكانت أكثر حدة ، سينما سولاناس ورفاقه في الأرجنتين والبرازيل تحولت إلى حركة سياسية كاملة “السينما الثالثة” حيث تعاملت مع الفيلم باعتباره فعلًا ثوريًا لا يقل أهمية عن المظاهرات والبيانات. ...

الفارق الطبقي وتحول الهوية : قراء لفيلم ما الذي تقوله الطبيعة لك

Image
في قاعة عرض صغيرة تضم عدداً محدوداً من المتلقين، يتحول فيلم هونغ سانغ سو "ما الذي تقوله الطبيعة لك؟" إلى تجربة شبه فردية: وجوه متأملة، أخرى تغفو بهدوء، وكأن الفيلم يسمح لهم بأن ينسلوا من أنفسهم قليلاً هنا، حضور الجمهور يصبح امتداداً لأسلوب هونغ سينما جلسة علاجية، تتركك تصغي أكثر مما تشاهد. منذ اللحظة الأولى، يعتمد الفيلم على بناء دائري متكرر: البطل يتم التعريف به مرارا لعدد مختلف من الشخصيات، وكل مجموعة من الشخصيات تعلق على الأشياء نفسها شكل حياته، خلفيته، موهبته، وضعه الاجتماعي لكن ردود الشاب تتبدل مع كل مرة ، ليست فقط طريقة تعريفه التي تتغير، بل أيضاً الصورة التي يلتقطها الآخرون عنه ، كأن الفيلم يعيد إنتاج اللقاء الأول بين شخصين عدة مرات، ليكشف أنه لا يوجد تعريف ثابت للنفس، وأن الانطباع ليس سوى انعكاس للحظة وللشخص الذي يقف أمامك. تتعمق الفكرة أكثر في الخط الذي يرسمه الفيلم حول التفاوت الطبقي بين الشاب وبين عائلة حبيبته ، هناك إصرار ملحوظ على طرح أسئلة بسيطة لكن جارحة: لماذا يقود سيارة قديمة؟ كيف يعيش هكذا بينما والده رجل غني ومشهور؟ ولماذا يبدو غير مهتم بأي من م...

تفكيك الذاكرة في الحياة بعد سهام : كيف تمنح السينما الحياة مرة ثانية

Image
يقدم الحياة بعد سهام تجربة غير تقليدية في التعامل مع السيرة والذاكرة، فهو لا يسعى إلى رواية قصة الأم أو الأب كما حدثت، ولا يتعامل مع الماضي باعتباره حقيقة ثابتة يمكن استعادتها، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة الكتابة داخل السينما ، السؤال الذي يطرحه الفيلم لا يتعلق بمهاية الأم ، لكن من أصبح المخرج حين حاول أن يفهم حياته عبر الصورة؟” ومن هذا السؤال يتشكل جوهر المشروع السينمائي لنمير، مشروع يقوم على إعادة خلق الماضي، لا استدعائه. منذ اللحظة الأولى، يعلن الفيلم أن السينما هنا ليست أداة توثيق، بل أداة خلق ، تمامًا كما تجمع إيزيس أشلاء أوزوريس لتعيده إلى الحياة، يجمع المخرج شذرات من أرشيف عائلي متآكل، يدمجها مع لقطات من أفلام يوسف شاهين تلك المادة المقدّسة في الذاكرة السينمائية المصرية ، ويصوغ عبر التعليق الصوتي شبكة جديدة من المعاني ، الدمج هنا ليس تزيينًا ولا لعبة مونتاج ، بل طقس لإحياء المفقود ، يصنع المخرج جسدًا سينمائيًا للأم وللأب ولذاته هو أيضًا جسدًا يستمد حياته من الصور لا من اللحم  يتعمق هذا الخط حين يعود المخرج إلى بلدته في الصعيد بحثًا عن أصل الحكاية، ه...

لغة الغياب: كيف يصنع ثريا حبي أرشيفه الخاص

Image
يبدأ ثريا حبي من العتمة ، شاشة سوداء وصوت متردد لا نرى صاحبه ، تتأخر الصورة عمداً، كأن الفيلم يمنح الذاكرة لحظة لتجمع شتاتها قبل أن ترى ، وحين تنفتح الكاميرا أخيراً، تظهر الفنانة ثريا خوري في محادثة فيديو، لا بوصفها شاهدة على حياة مارون بغدادي فقط، بل بوصفها من بقيت لتحمل عبء السرد وحدها. اختيار الافتتاح بالصوت قبل الصورة يؤسس منذ اللحظة الأولى لثيمة الفيلم الأساسية: استعادة الغائب عبر وسيط هش، ومساءلة ما إذا كان الصوت يسبق الوجود أم يستدعيه. يبني الفيلم لغته البصرية عبر ثلاث طبقات زمنية ومادية متداخلة : الفوتوغرافيا القديمة التي تحمل أثر الزمن، وتبدو كأنها تحاول أن تتذكر بالنيابة عن أصحابها ، ومحادثات الفيديو بين المخرج وثريا، حيث تتقاطع الذاكرة مع اللحظة الحاضرة، ويصبح صوت ثريا بضحكاتها المفاجئة وبكائها المنكسر مادة شعورية خام تكاد تكون أهم من الصورة نفسها ، و المشاهد المعاد تصويرها، وهي أكثر طبقات الفيلم شاعرية، حيث نرى ثريا جالسة في سيارة مارون، الكرسي المجاور لها فارغ، كعلامة جسدية على الغياب ، تمر عبر الطرقات وتمشي في الحقول، كأنها تستعيد مسار حياته عبر الحركة، وتحاور فراغ الكرسي...

جماليات مستنفذة في عالم ينتهي : قراءة في فيلم peak everything

Image
يقدم فيلم Peak Everything نفسه بوصفه عملاً ساخراً عن قلق الإنسان المعاصر، لكنه يفعل ذلك عبر أدوات تبدو في معظم الأحيان أقل نضجاً من طموحه المعلن ، فالكوميديا المباشرة التي يفتتح بها المشاهد الأولى، بجمل صريحة ومصاغة بوضوح شديد، تظهر رغبة في خلق إيقاع سريع، إلا أنها تكشف أيضاً ميل الفيلم إلى التفسيرية الزائدة، وإلى التعامل مع المتفرج كما لو أنه يحتاج باستمرار إلى إرشاد لمعنى كل لحظة، هذا الأسلوب، وإن كان فعالاً في توليد تفاعل سريع، يضع الفيلم في منطقة قريبة من Punk Drunk Love من حيث التوتر الداخلي وطاقة الأداء، لكنه يفتقر للعمق الذي ميز ذلك العمل، فيتحول التشابه إلى مجرد تقاطع سطحي في الإيقاع لا في الرؤية. تعتمد البنية الأسلوبية للفيلم على المونتاج المتتابع والقطعات الحادة بوصفها أداة مركزية في بناء المعنى ، غير أن هذا الاستخدام يبدو في معظم الأحيان أقرب إلى محاولة لتعويض غياب التماسك الدرامي منه إلى خيار جمالي واع ، فالمونتاج هنا ليس وسيلة لإعادة تركيب العالم، بل آلية للهرب من مواجهة حاجة المشهد إلى الاستقرار كي يظهر ما يخفيه فعلياً ، كل قطع يأتي كإيماءة نحو شيء أكبر: نهاية...

التحول الذي لم يحدث: قراءة في فيلم اغتراب لمهدي هميلي

Image
يحمل فيلم اغتراب لمهدي هميلي ملامح طموح بصري وفلسفي واضح ، يتقاطع مع رغبة في تفكيك علاقة الإنسان بالآلة، وبالعمل، وبالمنظومة التي تبتلعه ببطء حتى يفقد ذاته ، يقدم الفيلم عالماً ذا نبرة ديستوبية واضحة: عدسات واسعة، فلتر أصفر، مصنع مغلق لا نعرف وظيفته، وعمال يتحركون داخل الفراغ كأشباح ، ورغم هذه العناصر التي تعد بعمل قوي حول الاغتراب والتحول، ينتهي الفيلم إلى ممارسة شكل من الاستغراق الاستعراضي الذي يسطح الفكرة بدلاً من تعميقها. يختار الفيلم مصنعًا مجهول الهوية، لا نعرف ماذا ينتج ولا لماذا يبدو مهددًا ولا كيف يعمل ، ديستوبيا بلا سبب، بلا نظام، بلا سلطة واضحة ، يصنع هذا الغموض جوًا بصريًا ملفتًا ، تمنح المكان طابع أبوكاليبتكي، لكنه عالم يخلو من أي تعريف جوهري . في السينما الديستوبية، المكان غالبًا ما يكون انعكاسًا للصدع في البنية الاجتماعية أو النفسية ، أما هنا فالمكان أجوف ، وجود بصري منقطع عن أي سياق درامي ، هكذا يتحول كل فريم إلى عملية تغليف لأفكار لم تصغر بعد ، فتظهر اللقطات كتصميمات مشحونة بالنية لكنها خالية من الحضور الدلالي.   يعرض الفيلم الاغتراب في شكل إشارات شكلية...

رسائل البحر : حين يهمس البحر.. ولا نملك إلا الإصغاء

Image
يأتي رسائل البحر كعمل يتجاوز حدود الحكاية، ليضع المشاهد في حالة من التأمل والتساؤل ، يتعامل داود عبد السيد مع فكرة الحياة بوصفها لغزاً لا يقصد دوما أن نفهمه  ، الفيلم هنا ليس عن بطل أو حدث ، بل عن وعي يفيق فجأة داخل الإنسان الملقي في هذا الوجود بلا دليل واضح لكنه يبحث عن معنى ما، أو حتى إشارة. منذ البداية، يفكك الفيلم وهم الفهم السريع للآخر ، السطح ليس إلا قشرة ، وما يسميه الناس معرفة غالبا ليس سوي حكما سطحيا ،  الرسائل التي يعثر عليها يحيى لا تختلف عن البشر لا تقرأ من غلافها ، بل من استعدادنا للإصغاء لما بين حروفها ، كل شخصية في الفيلم هي امتحان لإدراكنا ، الطبيب الذي يتحطم تحت سخرية من لا يرون هشاشته، الرجل ذو الملامح التي تخيف بينما روحه لا تعرف إلا اللطف، والمرأة التي صارت موضوعا لحكم المجتمع لأنها تجرأت أن تكون مختلفة ، جميعهم يطرحون نفس السؤال : هل يمكن إدراك الإنسان دون لمس ألمه؟ يمكن قراءة رحلة يحيى إلى الإسكندرية ليس كهروب، بل إعلان صريح للإنفصال عن الصورة التي صنعها له الآخرون ، الوحدة هنا ليست نقيض الوجود الاجتماعي ، بل شرط أصيل لولادة الذات ، حين ينسحب ...

الزمن كعاطفة : تجربة وونغ كار واي في الحب المؤجل والاحتمالات الضائعة

Image
في مزاج للحب، إن لم يلتقط المتفرج تردداته الشعورية في الدقائق الأولى، فربما لا داعي للاستمرار فوونغ كار واي يراهن على حالة حضور وجدانية دقيقة ونادرة التحقق في ظروف المشاهدة العادية ، تختبر قدرة المشاهد على إلتقاط الانفعالات الدقيقة بين الصمت والكلام، الانتظار واللحظة الفائتة، بين الإمكان وما لم يتحقق، هذه التجربة الشعورية النادرة تجعل الفيلم أقرب إلى تأمل داخلي منه إلى سرد قصصي تقليدي،  فتصبح الانفعالات المؤجلة أساسا لبناء الزمن داخل الفيلم. يتعامل وونغ كار هنا مع الزمن كعنصر جوهري لا كسياق ،يخلق الفيلم عالمه الخاص من اللحظات المتكررة، الممرات الضيقة، والأماكن التي لا يمر فيها الوقت، بل يتكثف، وتتشكل العلاقة بين الشخصيتين من خلال تراكم لحظات قصيرة لا تكتمل، كأن الزمن يعيد تشكيلهما لاختبار درجة احتمالهما للصمت والانتظار، الزمن هنا يتحرك بكثافة شعورية غير عادية، يمر ببطء لكنه يترك أثرًا عميقًا في كل نظرة وإيماءة، ويحول الانتظار إلى بنية شعورية تتجلى في لحظات ما بين اللقاء والوداع، بين الكلام والصمت، بين الإمكان والمنع، حيث تبنى العلاقة على تراكم شعور مؤجل لا يقاس بالساعات...

من طريق بلا حدود إلى بيت مزدحم بالذكريات: المكسيك في عيني كوارون

Image
 كانت المكسيك عند مطلع الألفية تشبه مراهقًا يكتشف جسده للمرة الأولى مرتبك , متوتر, لكنه مأخوذ بإحساس غامض بالتحرر, فبعد انتهاء سبعة عقود من حكم حزب الثورة المؤسسية , في لحظة بدت فيها البلاد تلتقط أول نفس حر بعد زمن طويل من الفساد والرقابة والطبقية الصارخة وتحت هذا السطح المتفجر بالتغيير, كانت المكسيك تحاول إعادة تعريف ذاتها كبلد تتجاور فيه الحداثة والريف المهمل , الثراء الفاحش بجوار الفقر المدقع, والحرية كسلوك فردي مقابل الحرية كحق اجتماعي وفي تلك اللحظة التي كانت فيها البلاد تحاول أن تفهم معنى الحرية خارج الشعارات, قرر ألفونسو كوارون أن يقودنا في رحلة جسدية, أكثر نزقًا, وأكثر صدقًا مما يسمح به الخطاب السياسي نفسه. “Y Tu Mamá También”  هو فيلم عن الجسد كأرض سياسية , وعن رغبة فردية تتقاطع مع رغبة وطن يبحث عن لغة جديدة للحياة , الرحلة التي يخوضها خوليو وتينو وتشوي , بطابعها الإيروتيكي المتهور, ليست مجرد رحلة هروب نحو البحر, بل هروب من تاريخ , من طبقة ومن هوية يحاول كل طرف محوها أو إعادة كتابتها , كأن مكسيكين بداية الألفية لا يجدون أنفسهم إلا عند حدود جسد آخر, سرير آخر, أو طريق س...

طبقات من الوهم ثم لا شيء : رحلة كوفمان من التجميل إلى المحو

Image
 في فيلمه I'm thinking of ending things , يختار تشارلي كوفمان لقطتي الافتتاح والختام بوعي شديد ، في  الفريم الأول الذي يظهر من الفيلم ، ليس ما نراه مجرد ورق حائط مزخرف بالورود، بل هو مجاز لآلية الإنسان في صناعة أوهامه ، نرى شكل جمالي مطبوع ، مكرر ، و بلا حياة، نسمع في اللحظة ذاتها صوت فتاة تعترف برغبتها في إنهاء كل شيء . هذا التوازي بين الصورة والصوت ينفذ مباشرة إلى الحقيقة ، كل ما تراه لاحقا هو ورق حائط فوق جدار متأكل. ورق الحائط هنا ليس مجرد غطاء، بل تمثيل لطريقة الوعي البشري في تزيين الندوب الداخلية. نحن نعلق على جدران ذواتنا صورا عنا لا تشبهنا، نلون قبح الذاكرة بأزهار اصطناعية كي نحتمل النظر إلى الماضي ، ما نراه جميلا في الظاهر هو في جوهره محاولة يائسة لإقصاء الحقيقة ، فنصنع ديكورا لنخدع أنفسنا بوهم التجاوز . هكذا يهيئنا كوفمان منذ البداية للدخول في عالم مشيد بالكامل من طبقات، طبقات من التجميل، من الإنكار، من السرديات البديلة التي يبتكرها العقل كي يبرر وجوده ويسكت شعوره بالعجز ، ذلك الجمال المطبوع على الورق ، الذي عفا عليه الزمن، هو صورة الذاكرة حين تتحول من تجربة حية إلى ...

بين ما كان وما لم يعد ممكنًا قراءة تأملية في عالم هليوبوليس

Image
مدينة تفقد ملامحها بسرعة، وسكانها غارقون في عبق ماضيها، وغير قادرين على التكيف مع حاضرها القاسي ، في كل زاوية من الفيلم نشعر أن شيئا ما يختفي، وآخر غيره يظهر ، وأن ما كان يوما رمزا للحياة والطمأنينة أصبح الأن أثرا باهتا. يعيش أبطال هليوبوليس في حالة من الإنكار الجمعي، مقاومين فكرة التحول التي تحاصرهم ، يتشبث كل منهم بذكرى ، بمكان ،  أو بعلاقة ما ، كأن الماضي هو الملجأ الوحيد في مواجهة حاضر بلا ملامح ، العلاقات داخل الفيلم ليست سوى محاولات مستميتة لمجابهة التغيير، لكنها في جوهرها تعكس عجزا عن تقبله. إبراهيم بالتحديد يجسد هذا الصراع بوضوح، نستطيع ان نشعر بإصراراه علي القبض علي هذا البريق الذي انطفأ، عن المحبوبة التي ربما لم تعد موجودة إلا في خياله ، فيتجول في شوارع المدينة كمن يبحث عن نفسه ،  ونري انه من خلاله هو و الشخصيات الأخرى، يطرح الفيلم سؤالا وجوديا : عن ماهية الإنتماء ، ماذا يعني أن تنتمي إلى مكان لم يعد هو نفسه؟ في النهاية، يدرك الجميع أن المقاومة لم تجد نفعا، وأن محاولة إحياء ما مات هي استنزاف لا طائل منه ، ولا خلاص إلا بالقبول، و بترك الأمور تمضي، حتى لو كان الثمن هو ...

على حوافر الشعر: حصان كوكتو الذي يعبر من الظل إلى الضوء

Image
 يدرك جان كوكتو بوصفه شاعرا قبل أن يكون سينمائيا، أن الكائن الهجين هو المعادل البصري الأقرب لحقيقة الشاعر، ذلك الكائن الذي يعيش بطبيعة منقسمة ويبحث عن اكتمال يستحيل الوصول إليه ، يمكن قراءة ذلك بوضوح في فيلمه وصية اورفيس حيث أستخدم جان كوكتو الحصان ، بوصفه استعارة وجودية للشاعر ولحالة الفن ذاته .  الحصان الذي نراه ليس كائنا مكتمل الهيئة، بل كائن هجين متردد بين شكلين، بين عالمين عالق في منطقة رمادية تشبه تمامًا موقع الشاعر في الكون ، لا ينتمي كليا إلى الواقع ولا يستطيع الاندماج في الأسطورة ، اشبه بظل بيغاسوس  ، الحصان المجنح في الميثولوجيا الإغريقية الذي يقال إنه حين ضرب بحافريه صخرة الهليكون تفجرت نافورة هيبوكرين، مصدر الإلهام الشعري الخالص ، بيغاسوس كان أبيض، ناصعا، سماويا، رمزا للإلهام الذي يمنح الشاعر أجنحة ليتجاوز العالم أما حصان كوكتو فأسود ،ثقيل، أرضي، ومفتقد لذلك النقاء الأسطوري. يمكن هنا تحويل اللون إلى مفتاح للقراءة ، الأبيض في أسطورة بيغاسوس يرمز إلى الحياة في أسمى صورها كالصعود نحو نور الخلق ، الأبيض هو ولادة القصيدة، اللحظة التي يشعر فيها الشاعر نفسه يحلق بأجن...