التحول الذي لم يحدث: قراءة في فيلم اغتراب لمهدي هميلي

يحمل فيلم اغتراب لمهدي هميلي ملامح طموح بصري وفلسفي واضح ، يتقاطع مع رغبة في تفكيك علاقة الإنسان بالآلة، وبالعمل، وبالمنظومة التي تبتلعه ببطء حتى يفقد ذاته ، يقدم الفيلم عالماً ذا نبرة ديستوبية واضحة: عدسات واسعة، فلتر أصفر، مصنع مغلق لا نعرف وظيفته، وعمال يتحركون داخل الفراغ كأشباح ، ورغم هذه العناصر التي تعد بعمل قوي حول الاغتراب والتحول، ينتهي الفيلم إلى ممارسة شكل من الاستغراق الاستعراضي الذي يسطح الفكرة بدلاً من تعميقها.


يختار الفيلم مصنعًا مجهول الهوية، لا نعرف ماذا ينتج ولا لماذا يبدو مهددًا ولا كيف يعمل ، ديستوبيا بلا سبب، بلا نظام، بلا سلطة واضحة ، يصنع هذا الغموض جوًا بصريًا ملفتًا ، تمنح المكان طابع أبوكاليبتكي، لكنه عالم يخلو من أي تعريف جوهري .

في السينما الديستوبية، المكان غالبًا ما يكون انعكاسًا للصدع في البنية الاجتماعية أو النفسية ، أما هنا فالمكان أجوف ، وجود بصري منقطع عن أي سياق درامي ، هكذا يتحول كل فريم إلى عملية تغليف لأفكار لم تصغر بعد ، فتظهر اللقطات كتصميمات مشحونة بالنية لكنها خالية من الحضور الدلالي.
 
يعرض الفيلم الاغتراب في شكل إشارات شكلية
وجوه ثابتة، حركة بطيئة، ضباب، ألوان باهتة، تكرار ميكانيكي، لكن الاغتراب كتجربة إنسانية ذلك الانفصال الوجودي بين الذات والعمل والآخر لا يظهر على مستوى الدراما ، فالشخصيات مسطحة إلى درجة استحالة التماهي معها ، لا ماض، لا رغبة، لا صراع، لا خوف ، تظهر الشخصيات كأنها مجرد امتداد للصورة، كائنات وظيفية لا حياة لها.


عندما تناولت الموجة اليابانية فكرة تحوّل الإنسان إلى آلة في الثمانينيات والتسعينيات، ذهبت إلى أقصى الحدود سواء في افلام مثل tetsuo حيث التحول عملية عنيفة، تلتهم اللحم والحديد ، او Pinocchio، حيث التحول يتمثل في انهيار عصبي وجسدي كامل، وتجربة معيشة لا يمكن فصلها عن الألم ، في كل الحالات كانت الافلام تذهب لاقصي الحدود ،لم يكن هناك أي تردد، التحول كان تجربة جسدية ونفسية معاشة، لا مجرد إشارة بصرية.


من الظلم القول إن الفيلم لا يقدم تحولًا تدريجي للآله ، لكنه تحول بلا ذروة ، او صدام ، كأن المخرج اتخذ خطوتين إلى الخلف عند اللحظة التي كان يجب فيها أن يتقدم خطوة إلى الأمام، مترددًا في مواجهة موضوع يحتاج بالضرورة إلى قدر أكبر من الجرأة والصدامية.

يستخدم الفيلم التكوينات بإفراط غير محسوب ، لقطة واسعة للفراغ، لقطة ضيقة للوجه، حركة بطيئة ، تكوينان، ثلاثة، عشرة
إلى أن تتحول اللقطة نفسها إلى روتين ميكانيكي.
كأن الفيلم يستنسخ لغة فيلم أطول أو أكثر كثافة، لكنه يفعل ذلك دون بناء درامي يربط هذه اللقطات ببعضها ، في لحظات كثيرة ، يبدو أن الفيلم مشغول باللقطة أكثر من انشغاله بالإنسان 

في النهاية، يعود محمد إلى موقعه كما بدأ ، يحاول الفيلم تقديم هذا كنوع من النهاية الدائرية، لكن المشكلة أن الدائرة لم تبن أصلاً ، لا نرى بداية واضحة للتحول ، كي نشعر بوقع نهايته، نهاية تتناسب مع فيلم لم يحدث فيه شيء جوهري ، نهاية تكرس ما صنعه الفيلم: جامد، بلا أثر، بلا ذاكرة.

فيلم يعرف ماذا يريد أن يقول لكنه لا يعرف كيف يقوله
وفي النهاية، لا يتبقى للمشاهد سوى الانطباع بأن الفيلم بلا هوية، بلا قسوة، بلا انغماس في موضوعه ، فيلم يطرح أسئلة كبيرة جدًا لكن يقدمها كما لو كانت مجرد ملاحظات بصرية، لا أفكارًا مجسدة.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia