Posts

عودة إلى المسرح نفسه : أشباح مونديال 1994

Image
لماذا نتذكر السقوط أكثر من الانتصار؟ بينما تستضيف الولايات المتحدة كأس العالم من جديد، يعود شبح نسخة 1994 ليطل على الذاكرة ، ليس لأنها كانت البطولة الأكثر جمالًا أو الأكثر تهديفًا، بل لأنها ربما كانت أكثر نسخ المونديال اقترابًا من التراجيديا الإغريقية، ففي صيف واحد اجتمعت حكايات السقوط والبطولة والعقاب والقدر بصورة يصعب أن تتكرر، كرة القدم في جوهرها هي مسرح هائل للغضب والأمل والرغبة في الانتصار، لكنها أحيانًا تتجاوز كونها مساحة لتفريغ المشاعر اللحظية لتصبح شيئًا أقرب إلى التراجيديا، لهذا لا نتذكر معظم المباريات، بينما تبقى لحظات محددة محفورة في الذاكرة الجمعية لعقود طويلة، كما بقيت الأساطير الإغريقية حية لآلاف السنين . لو سألنا أي مشجع حضر كاس العالم 94 عن ذكرياته ، ربما ينسى نتائج المباريات أو أسماء الهدافين، لكنه يتذكر وجه روبرتو باجيو بعد إضاعته ركلة الترجيح، أو مارادونا وهو يطرد من بعد ثبوت تعاطيه المنشطات ، الذاكرة لا تحفظ الوقائع بقدر ما تحفظ الدراما ، وما يجعل كرة القدم قريبة من الأساطير ليس حجم شعبيتها، بل قدرتها على إنتاج شخصيات وحكايات تتجاوز حدود الرياضة نفسها . البط...

ضد القراءة الأولى : الصورة التي لا تنتهي بعد النظر

Image
ضد القراءة الأولى : الصورة التي لا تنتهي بعد النظر . كيف نفكك صورة؟ وهل يصبح العمل تجريبيًا فقط حين يمتلئ بالاشتغالات والتعقيد وكسر القواعد؟ ربما تكمن المشكلة بالأساس في تصورنا للتجريب بوصفه فعلًا شكليًا خالصًا، بينما التجريب في جوهره لا يعتمد علي عدد الحيل البصرية أو غرابة التكوين، لكن في جوهره شئ أكبر ألا وهو طبيعة الموقف الكامن خلف العمل، والقرار الذي اتخذه الفنان تجاه العالم والصورة واللغة التي يعمل بها. لا يمكن تفكيك الفراغ ، لكي نفكك صورة، يجب أن تحمل الصورة ما يسمح بتفكيكها بالأساس ، أثرًا لفكرة، أو توترًا داخليًا، أو موقفًا اجتماعيًا وسياسيًا وجماليًا ، التفكيك لا يحدث لأن العمل “غامض”، بل لأن داخله طبقات قابلة للقراءة ، أحيانًا يخطئ المتلقي في التعامل مع بعض الأعمال التجريبية لأنها تبدو بسيطة أو حتى ساخرة للوهلة الأولى، فيصدر حكمه قبل محاولة الاقتراب منها فعلًا ، حين راودت الكوابيس سلفادور دالي ولويس بونويل وقررا جمعها داخل فيلم الكلب الأندلسي، لم يكن الأمر مجرد استعراض سريالي أو رغبة في صناعة صور عبثية بهدف الإدهاش ، كان الاثنان يحملان تصورًا مشتركًا عن كيفية ...

احتراق الصورة: سقوط اليقين الأخير

Image
يبدأ فيلم احتراق الصورة بكشف واضح وصريح لعزلة راشد ، رجل قصير القامة، تكوينه التشريحي صدامي بعض الشيء، ليس فقط لأنه مختلف، بل لأن الكاميرا تدرك ذلك جيدًا وتتعامل معه باعتباره كتلة محاصرة داخل عالمها ، يجلس أمام طاولة، دون أي إضافات درامية مفتعلة، لكن شعور الوحدة يتسلل إليك مباشرة كمشاهد ، هنا تظهر اختيارات المخرج الحقيقية ، فهو لا يستخدم جسد بطله كوسيلة للشفقة أو الإدهاش البصري، بل كامتداد لحالة داخلية كاملة ،تمتد التركيبة في اختيار ديانة البطل حيث يبدو فعلا مقصودًا بعناية ، راشد رجل مسيحي يعيش وحيدًا، وكل ما حوله يوحي بأن العالم قد غادره تدريجيًا ، تشعر بثقل فكرة الهجرة قبل أن تُقال صراحة، ثم تتأكد عندما نعلم بسفر ابنته إلى باريس ، الفيلم لا يشرح ذلك بشكل مباشر أو ميلودرامي، لكنه يتركك تربط التفاصيل ببعضها: بيت فارغ، رجل متروك، وابنة لم تفكر حتى في العودة إليه ليلة رأس السنة ، الوحدة هنا وحدة جيل كامل تُرك خلف الآخرين. وعلى النقيض تمامًا يدخل حضور نورا فتاة شابة بجسد مثالي، نسمع صوتها أولًا وهي تنزل من عند الجار ثم تذهب للصيدلية لشراء واقٍ ذكري ، تفاصيل صغيرة لكنها تكشف ال...

زيزو : لا أحد يسقط .. الجميع يخسر

Image
كيف يمكن الاقتراب من عالم طفل دون الوقوع في فخ التبسيط أو التزيين؟ كيف نصور براءته دون أن نحولها إلى أداء مفتعل أو إلى تكوين بصري مُحمل بالمعاني أكثر مما يحتمل؟ في فيلمه القصير زيزو، يقدم خالد معيط محاولة لافتة للإجابة على هذه الأسئلة، عبر مقاربة شديدة الاقتصاد، لكنها قاسية في دلالاتها. الفيلم يتتبع طفلًا زائد الوزن، مهووسًا بكرة القدم، ومتيمًا بأسطورة لم يرها يومًا: زين الدين زيدان ، المفارقة هنا ليست مجرد تفصيلة طريفة لكنها مفتاح قراءة كامل: معرفة الطفل بزيدان لا تأتي من مسيرته أو مهاراته، بل من لحظة واحدة معاد تدويرها بلا نهاية ، مشهد “النطحة” الشهير ، في زمن السوشيال ميديا، تُختزل الأيقونات إلى لحظات، وتُختزل القدوة إلى فعل عنيف قابل للتكرار ، وهو ما يبرزه خالد في فيلمه من خلال تكراره بإرتباط الأطفال الشديد بالتصوير والتيكتوك وغيرها من آليات السوشيال ميديا ، يظهر ذلك أيضا في تكرار كلمة “يسطى” في حوارات الأطفال مع بعضهم البعض ، في البداية تبدو مجرد لازمة لغوية عابرة، جزء من واقعية الحوار، لكنها تتحول سريعًا إلى كود داخلي، إلى لغة مغلقة تؤسس إحساسًا بالانتماء بين الشخصيات، والأكثر إث...

لا شيء يحدث حقًا في المستعمرة

Image
  دائما ما نبحث في السينما عن الحدث ، نقطة التحول، الانفجار الدرامي، الصدام الكبير الذي يعيد ترتيب الشخصيات والعالم. أما المستعمرة فينحاز إلى شيء آخر أكثر قسوة وأقرب إلى الحقيقة وهو الزمن ,الفيلم لا يبني توتره من مفاجآت السرد، بل من التكرار نفسه، من الأيام التي تتشابه إلى حد يفقدها ملامحها، ومن حياة تُستهلك ببطء حتى يبدو كل يوم نسخة باهتة من اليوم السابق لا شيء يحدث حقًا في المستعمرة الأيام تتتابع دون عزاء، دون لحظة تسمح بالتوقف أو التقاط النفس، كل شيء يسير وفق إيقاع ميكانيكي صارم، يشبه تمامًا حياة المئات من عمال المصانع الذين نراهم نائمين في طريق العودة، فقط لكي يستيقظوا بعد ساعات قليلة ويعودوا إلى المصنع نفسه، وكأن النوم نفسه لم يعد راحة بل مجرد استراحة قصيرة بين ورديتين ، إلى الدورة نفسها، وإلى حياة استنزاف يومي لا تمنح أصحابها فرصة لأن يكونوا أكثر من أجساد تؤدي وظيفة متكررة، من الطبيعي إذن أن تفقد هذه الحياة ألوانها، وهو ما انعكس بوضوح في التكوين اللوني للفيلم، ألوان باهتة، منطفئة، كأنها خرجت من قلب المعدن والصدأ والغبار . ما يميز المستعمرة بالنسبة لي أنه لا يستخدم المصنع ...

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

Image
لم يعد هناك شيء اسمه فيلم مستقل في ٢٠٢٦. ليس لأن الأفلام توقفت عن الإنتاج خارج الاستوديوهات، بل لأن فكرة الاستقلال نفسها ماتت بهدوء، دون جنازة، ودون أن يلاحظ أحد لحظة الوفاة. ما نراه اليوم ليس سينما مستقلة، بل محاكاة للاستقلال . في بداياته، لم يكن الفيلم المستقل تصنيفًا إنتاجيًا، بل موقفًا وجوديًا ، أقرب لفعل المقاومة ، محاولة لصناعة صورة خارج السلطة: سلطة السوق، وسلطة الذوق السائد، وسلطة الصناعة ، الاستقلال لم يكمن في الميزانية الصغيرة، بل في الحرية حد الخطر  ، احتمال الفشل الكامل دون شبكة أمان. أما الآن، فالاستقلال أصبح هو نفسه نظامًا ، من الهامش إلى السوق ، الحداثة الرقمية لم تحرر السينما كما وعدت، بل قامت بعملية أكثر قسوة:جعلت الجميع قادرين على الإنتاج، لكنها في المقابل ألغت معنى الاختلاف ، حين أصبح بإمكان أي شخص صناعة فيلم، لم ينتصر الصوت الفردي ، بل انتصرت الخوارزمية ، المنصات لا تمنعك من التعبير، لكنها تعيد تشكيل تعبيرك قبل أن تدرك ذلك. لنجد الفيلم المستقل اليوم يولد وهو يفكر في المهرجانات، في لجان الاختيار، في سوق التوزيع، في “الهوية البرمجية” التي تجعل الفيلم ق...

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

Image
حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات هل يمكن لأي فعل يومي اعتيادي أن يتحول إلى منتج سردي سينمائي؟ أم أن هذا التحول محكوم سلفًا بالسقوط داخل تصنيف «الوثائقي» أو «التسجيلي»؟ هذا السؤال يفترض ضمنيًا أن التصنيف السينمائي حقيقة جمالية ثابتة، بينما يمكن النظر إليه تاريخيًا بوصفه بناءً صناعيًا نشأ بالتوازي مع تطور السوق السينمائي، خاصة داخل النموذج الأميركي الذي إحتاج إلى تقسيم المنتجات الثقافية لضمان وضوح التسويق وتحديد الجمهور المستهدف ، بهذا المعنى لم تكن الأنواع السينمائية نتيجة طبيعية لتطور اللغة السينمائية بقدر ما كانت آلية لتنظيم التداول الاقتصادي للصورة ، لكن السينما في لحظتها الأولى لم تكن تعرف هذه الحدود أصلًا، عندما صور الأخوان لوميير عمالًا يغادرون المصنع أو قطارًا يدخل المحطة، لم يكن هناك سؤال عن النوع السينمائي ، كانت السينما ببساطة: قطعة من الزمن محفوظة داخل إطار ، لم تكن هناك قصة بالمعنى التقليدي، ولا حبكة، ولا بناء درامي ، فقط الحياة وهي تحدث . من هنا يمكن فهم سينما اليوميات لا كنوع سينمائي، بل كعودة إلى الأصل ، سينما اليوميات تفترض فكرة راديكالية بسيطة : كل لح...