لا شيء يحدث حقًا في المستعمرة

 

دائما ما نبحث في السينما عن الحدث ، نقطة التحول، الانفجار الدرامي، الصدام الكبير الذي يعيد ترتيب الشخصيات والعالم. أما المستعمرة فينحاز إلى شيء آخر أكثر قسوة وأقرب إلى الحقيقة وهو الزمن ,الفيلم لا يبني توتره من مفاجآت السرد، بل من التكرار نفسه، من الأيام التي تتشابه إلى حد يفقدها ملامحها، ومن حياة تُستهلك ببطء حتى يبدو كل يوم نسخة باهتة من اليوم السابق

لا شيء يحدث حقًا في المستعمرة الأيام تتتابع دون عزاء، دون لحظة تسمح بالتوقف أو التقاط النفس، كل شيء يسير وفق إيقاع ميكانيكي صارم، يشبه تمامًا حياة المئات من عمال المصانع الذين نراهم نائمين في طريق العودة، فقط لكي يستيقظوا بعد ساعات قليلة ويعودوا إلى المصنع نفسه، وكأن النوم نفسه لم يعد راحة بل مجرد استراحة قصيرة بين ورديتين ، إلى الدورة نفسها، وإلى حياة استنزاف يومي لا تمنح أصحابها فرصة لأن يكونوا أكثر من أجساد تؤدي وظيفة متكررة، من الطبيعي إذن أن تفقد هذه الحياة ألوانها، وهو ما انعكس بوضوح في التكوين اللوني للفيلم، ألوان باهتة، منطفئة، كأنها خرجت من قلب المعدن والصدأ والغبار.


ما يميز المستعمرة بالنسبة لي أنه لا يستخدم المصنع بوصفه خلفية للأحداث، بل بوصفه القوة المركزية التي تشكل البشر من الداخل ، الآلات هنا ليست ديكورًا صناعيًا يوضع لإضفاء واقعية شكلية، بل حضور مهيمن يفرض منطقه الخاص على الجميع، من كان يوما في ورش تصنيع أو مصانع مثل التي في الفيلم ، يعرف أن العلاقة مع الآلة علاقة مركبة : خوف واعتياد، إتقان ورعب ،  حيث يتحول الخطأ الصغيرإلى كارثة، ومع ذلك عليك أن تتعامل معها يوميًا كأنها أمر طبيعي، الفيلم يلتقط هذا التناقض بصدق كبير.

ربما يعود تأثير هذا الجانب بداخلي إلى علاقتي الشخصية بعالم مشابه، نشأت وأنا أرى والدي يعمل في ورشته الخاصة بالخراطة، وحتى الآن أرى أن هناك بعدًا فنيًا حقيقيًا في هذه المهنة، المخرطة لا تستجيب لأي يد، بل تحتاج إلى حس خاص، صبر، دقة، وطريقة تعامل قادرة على تحويل المادة الخام إلى شكل جديد، لهذا شعرت أن الفيلم يفهم جيدًا أن العمل اليدوي ليس مجرد شقاء، بل معرفة أيضًا، وأن العامل ليس مجرد ضحية، بل صاحب مهارة غالبًا لا يراها أحد.

اما الأداء التمثيلي، فكان يحمل ملامح أسلوبية تذكرني بسينما بيرسون، حيث الوجوه نفسها تصبح جزءًا من العالم لا مجرد مؤدين داخله ، طريقة المشي، الجلوس، الصمت، نظرات الإنهاك، كل هذا أكثر بلاغة أحيانًا من الحوار، الشخصيات لا تشرح تعبها، بل تحمله على أجسادها، هناك تعب يصل إلى مرحلة يصبح فيها الكلام نفسه عبئًا زائدًا.

أداء حسام، الممثل الرئيسي، قد يثير الانقسام ، هناك من قد يراه محدود التعبير أو أقل جاذبية من الصورة النمطية للبطل السينمائي، لكن هذه الملاحظة نفسها قد تكون جزءًا من نجاح الاختيار،كل ما احتاجه  المستعمرة هو وجه يحمل أثر الحياة التي يتحدث عنها ، شخص حقيقي يمكن أن تصادفه يوميًا دون أن تنتبه إلى حكايته .

ومع ذلك، فإن مشكلات الفيلم تبدأ غالبًا حين ينتقل من الملاحظة إلى الكتابة المباشرة  ، النص في بعض لحظاته لا يثق في الصورة، فيقرر شرح ما فهمناه بالفعل أو كشف معلومات كان يمكن أن تصلنا بشكل أقل مباشرة  ، المثال الأوضح في مشهد العامل الأكبر سنًا خارج أتوبيس الشركة، حين يواجه حسام بخطاب مباشر يكشف فيه ماضيه وسرقته وإدمانه ، هذه لحظة كان يمكن أن تكون شديدة القوة لو بُنيت عبر التوتر والإيحاء، لكنها أتت بصيغة تقريرية أضعفت أثرها ، فحين ينجح المخرج في خلق عالم شديد الصدق، يصبح أي تدخل كتابي زائد أكثر وضوحًا من المعتاد، لأن الفيلم حينها يكون قد درب المتفرج على التقاط المعنى من التفاصيل، لا من الشرح، لذلك تبدو لحظات الإفصاح المباشر نشازًا داخل نسيج أكثر حساسية ونضجًا.

الأمر نفسه يتكرر أحيانًا في استخدام الموسيقى ،هناك مشاهد يشعر المتفرج فيها أن الموسيقى تدفعه نحو إحساس معين بدل أن تتركه يصل إليه بنفسه، وهذا اختيار مفهوم، لكنه ليس دائمًا موفقً، لأن الفيلم يمتلك أصلًا مادة شعورية قوية جدًا في الصورة والصمت والإيقاع ، في الواقع أكثر لحظاته تأثيرًا هي تلك التي تأتي بلا موسيقى تقريبًا، حين نُترك وحدنا أمام الوجوه، المسافات، الضجيج الصناعي، أو الفراغ ، حينها يصبح الصمت حضورًا للحقيقة.

أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام بالنسبة لي هو مارو، لأنه يمثل التحول الأكثر خفاءً والأكثر إيلامًا ، إذا كان الآخرون ثابتين داخل مصائرهم، وإذا كانت محاولات حسام للتغيير تتكسر باستمرار، فإن مارو هو الشخصية التي نرى من خلالها كيف تنتقل القسوة من الخارج إلى الداخل، في البداية نراه أكثر اتصالًا بوالدته، أكثر حنانًا، أكثر استعدادًا للرعاية ، يهتم بها، يقترب منها، ويبدو محتفظًا ببقايا إنسانية لم تُسحق بعد،  لكن الفيلم ينهي مساره بلحظة بسيطة وعنيفة في آن واحد: يعود إلى البيت، تناديه الأم، فلا يجيب، ويدخل غرفته كأنه أغلق بابًا داخليًا بشكل نهائي .


يصبح مارو شبيهًا بمن سبقوه ، صار جزءًا من السلالة نفسها: رجال يعودون من العالم محطمين فلا يبقى لديهم ما يقدمونه لأحد، هنا يلمس الفيلم منطقة نادرة: كيفية إعادة إنتاج القسوة عبر الأجيال، لا بالضرب أو الخطابة، بل بالإنهاك !

ورغم عثراته الكتابية، يظل المستعمرة عملًا يمتلك شيئًا أثمن من الكمال: صدق المكان، صدق التعب، صدق العلاقات حين تتشوه تحت الضغط، وصدق النظرة إلى بشر لا تمنحهم السينما كثيرًا حق الوجود ، هو فيلم يرى الإنسان وهو يتحول تدريجيًا إلى جزء من آلة، ثم يسأل بهدوء مرير: ماذا يتبقى منه بعد ذلك؟

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia