زيزو : لا أحد يسقط .. الجميع يخسر
كيف يمكن الاقتراب من عالم طفل دون الوقوع في فخ التبسيط أو التزيين؟ كيف نصور براءته دون أن نحولها إلى أداء مفتعل أو إلى تكوين بصري مُحمل بالمعاني أكثر مما يحتمل؟ في فيلمه القصير زيزو، يقدم خالد معيط محاولة لافتة للإجابة على هذه الأسئلة، عبر مقاربة شديدة الاقتصاد، لكنها قاسية في دلالاتها.
الفيلم يتتبع طفلًا زائد الوزن، مهووسًا بكرة القدم، ومتيمًا بأسطورة لم يرها يومًا: زين الدين زيدان ، المفارقة هنا ليست مجرد تفصيلة طريفة لكنها مفتاح قراءة كامل: معرفة الطفل بزيدان لا تأتي من مسيرته أو مهاراته، بل من لحظة واحدة معاد تدويرها بلا نهاية ، مشهد “النطحة” الشهير ، في زمن السوشيال ميديا، تُختزل الأيقونات إلى لحظات، وتُختزل القدوة إلى فعل عنيف قابل للتكرار ، وهو ما يبرزه خالد في فيلمه من خلال تكراره بإرتباط الأطفال الشديد بالتصوير والتيكتوك وغيرها من آليات السوشيال ميديا ، يظهر ذلك أيضا في تكرار كلمة “يسطى” في حوارات الأطفال مع بعضهم البعض ، في البداية تبدو مجرد لازمة لغوية عابرة، جزء من واقعية الحوار، لكنها تتحول سريعًا إلى كود داخلي، إلى لغة مغلقة تؤسس إحساسًا بالانتماء بين الشخصيات، والأكثر إثارة أن هذا الكود لا يظل حبيس الشاشة ، بعد مرات قليلة، يبدأ جمهور القاعة في إلتقاطه، ترديده، والتفاعل معه ليتحول الفيلم الي اتصال حي بين الشاشة والمتلقي ، لحظة بسيطة، لكنها تكشف قدرة الفيلم على خلق إيقاع جماعي، وعلى إدخال المشاهد داخل اللعبة بدلًا من إبقائه في موقع المراقبة.
ما يضيفه الفيلم، بهدوء ودون إعلان، هو عالم يكاد يكون مغلقًا بالكامل على الذكورة ، لا تظهر أي أنثى داخل الفيلم ، غياب الانثي يمثل بنية كاملة لعالم الفيلم : عالم يتشكل داخليًا بين رجال وأطفال ، يُعاد فيه إنتاج نفس القيم دون أي كسر أو مساءلة .
لا يتعامل خالد معيط مع بطله من زاوية الشفقة، ولا يدفعنا إلى التعاطف عبر أدوات جاهزة ، على العكس تماما يضعنا أمام صورة أوسع: بنية تربية كاملة تُشكل الذكور منذ الطفولة على كبت مشاعرهم، على إخفاء هشاشتهم، وعلى التماهي مع نموذج جسدي وسلوكي صارم ، فيتحول وزن زيزو إلي علامة على خروجه عن “النموذج المقبول”، وعلى العار الضمني الذي يفرض عليه لمجرد كونه نفسه ، داخل هذا الإطار، يصبح المنزل امتدادًا للملعب، وليس ملاذًا منه ، بيت زيزو يعكس علاقته بأب سكير، حاضر بجسده وغائب بدوره، لا يتردد في وصم ابنه أو تكريسه كحالة فاشلة مقارنة بصورة “الذكر المثالي” التي يحملها ، يتجلي احساس الطفل بعدم الاندماج حتي داخل جدران منزله نراه وهو يأكل واقفاً ووحيدا في مطبخ المنزل ، في صمت قاتل كأنه لص يتسلسل منتصف الليل.
اللافت أن الفيلم لا يسعى إلى لحظة انتصار تعويضية، ولا حتى إلى تفريغ درامي مريح ، في إحدي مشاهد الفيلم نري الطفل يحاول إعادة تمثيل النطحة الشهيرة لزيزو في نهائي كأس العالم علي الطفل الذي يتنمر عليه ، يبني معيط توترًا يتواطأ مع توقعاتنا: ننتظر سقوط الخصم، ننتظر لحظة استعادة القوة ، لكن ما يحدث هو العكس تمامًا ، لا يسقط المتنمر ، زيزو يخسر ، يغادر الملعب مهزومًا، هنا يكسر الفيلم ليس فقط توقعات السرد، بل أيضًا رغبتنا كمشاهدين في رؤية الخلاص.
هذه اللحظة تحديدًا تحمل كثافة كافية لإنهاء الفيلم ، كان يمكن لها أن تظل مفتوحة، قاسية، ومكتفية بذاتها ، لكن معيط يختار أن يمنحنا مشهدًا إضافيًا: زيزو وحيدًا، منكسرًا، بلا أي محاولة للتجميل ، قد يبدو هذا الامتداد زائدًا، لكنه في الوقت نفسه يفضح إصرار الفيلم على البقاء داخل الحالة، لا الهروب منها ، الهزيمة هنا ليست لحظة عابرة لكنها شعور ممتد، يتسلل إلى ما بعد الملعب.
زيزو ليس فيلمًا عن طفل يحب كرة القدم، بقدر ما هو عن طفل يتعلم ببطء وقسوة كيف يكون “رجلًا” وفق معايير لم يخترها، فيلم يرفض الإغراءات السهلة: لا استعطاف، لا انتصارات زائفة، ولا حلول ، فقط مراقبة دقيقة لبداية تشكل قسوة ما، ستكبر لاحقًا.
Comments
Post a Comment