ضد القراءة الأولى : الصورة التي لا تنتهي بعد النظر

ضد القراءة الأولى : الصورة التي لا تنتهي بعد النظر .

كيف نفكك صورة؟ وهل يصبح العمل تجريبيًا فقط حين يمتلئ بالاشتغالات والتعقيد وكسر القواعد؟ ربما تكمن المشكلة بالأساس في تصورنا للتجريب بوصفه فعلًا شكليًا خالصًا، بينما التجريب في جوهره لا يعتمد علي عدد الحيل البصرية أو غرابة التكوين، لكن في جوهره شئ أكبر ألا وهو طبيعة الموقف الكامن خلف العمل، والقرار الذي اتخذه الفنان تجاه العالم والصورة واللغة التي يعمل بها.
لا يمكن تفكيك الفراغ ، لكي نفكك صورة، يجب أن تحمل الصورة ما يسمح بتفكيكها بالأساس ، أثرًا لفكرة، أو توترًا داخليًا، أو موقفًا اجتماعيًا وسياسيًا وجماليًا ، التفكيك لا يحدث لأن العمل “غامض”، بل لأن داخله طبقات قابلة للقراءة ، أحيانًا يخطئ المتلقي في التعامل مع بعض الأعمال التجريبية لأنها تبدو بسيطة أو حتى ساخرة للوهلة الأولى، فيصدر حكمه قبل محاولة الاقتراب منها فعلًا ، حين راودت الكوابيس سلفادور دالي ولويس بونويل وقررا جمعها داخل فيلم الكلب الأندلسي، لم يكن الأمر مجرد استعراض سريالي أو رغبة في صناعة صور عبثية بهدف الإدهاش ، كان الاثنان يحملان تصورًا مشتركًا عن كيفية عمل الصورة داخل وعينا، وعن قدرتها على المقاومة والهدم وخلخلة المتلقي ، الفيلم لا يصدم المشاهد لأنه “غريب”، لكنه يهاجم منطقه البصري المعتاد، ويرفض أن يمنحه الأمان السردي الذي اعتادت عليه السينما ،كانت السريالية هنا محاولة لتحرير الصورة من وظيفتها التوضيحية، ودفعها لتصبح أقرب إلى الحلم، إلى اللاوعي، إلى التداعي الحر، حيث لا تسير الأشياء بمنطق الحكاية بل بمنطق الرغبة والخوف والذاكرة المكبوتة ، ولهذا بقي الفيلم حيًا حتى الآن، لأن مشاهده تعمل كصور قابلة لإعادة التأويل والتفكيك مع كل مشاهدة جديدة ، فالتجريب الحقيقي لا يخلق الغموض من العدم، بل يبني صورة ممتلئة بما يكفي لكي تظل قابلة للقراءة حتى بعد عشرات السنين.

حين ننظر إلى  لـ  المربع الأسود لكازيمير ماليفيتش او مبولة ديشامب، قد يبدو الأمر في البداية وكأنه استفزاز مجاني أو محاولة لهدم الفن فقط ، لكن قوة هذه الأعمال لا تكمن في شكلها المباشر، بل في الأسئلة التي تفتحها: ما الذي يجعل شيئًا ما فنًا؟ أين يبدأ المعنى؟ وهل قيمة العمل في المهارة التقنية أم في الفكرة والموقف وإعادة تعريف علاقتنا بالنظر ذاته؟
المربع الأسود ليس مجرد شكل هندسي، بل لحظة تاريخية حاول فيها ماليفيتش الوصول إلى “الصفر”، إلى صورة محررة من التمثيل والسرد والزخرفة ،قبل ماليفيتش، كان الفن الأوروبي يعتمد غالبًا على رسم أشخاص ومناظر وطبيعة واعتماد كامل علي إظهار المهارة التقنية وتمثيل الواقع بشكل جميل أو درامي لكن “المربع الأسود” أعلن شيئًا راديكاليًا: الفن لا يحتاج أن يمثل أي شيء من العالم الحقيقي ، وعندما عرضها ماليفيتش لأول مرة، علقها في زاوية عالية داخل المعرض، وهي نفس الزاوية التي كانت توضع فيها الأيقونات الدينية في البيوت الروسية ، كأنه قام بإعلان دين فني جديد .

أما مبولة دوشامب فلم تكن احتفاء بالشيء اليومي بقدر ما كانت انقلابًا على المؤسسة الفنية نفسها، وعلى فكرة القداسة المرتبطة بالعمل الفني ، اوجد وقتها مفهوم جديد سمّى : Readymade
أي “شيء جاهز” يتحول إلى فن بمجرد إعادة تقديمه ، فاتحاً العديد من الأسئلة ، من يحدد ما هو الفن؟ الفنان؟ الجمهور؟ المتحف؟السوق ؟ ، وحتي إذا اقتنعت أن هذه ليست فنًا لماذا؟ وإذا اقتنعت أنها فن لماذا أيضًا؟ ،  من هنا يمكننا أن نفهم كيف تظل تلك الأعمال   قابلة للتفكيك حتى اليوم لأنها تحمل بداخلها صراعًا حقيقيًا مع عصرها، ومع مفهوم الفن ذاته.

التجريب الحقيقي لا يولد من الرغبة في الغموض أو الاختلاف السطحي ، الفنان الذي يذهب إلى أقصى حدود التجريب لا يفعل ذلك لأنه يجهل القواعد، بل غالبًا لأنه عرفها جيدًا واستهلكها ووصل إلى لحظة لم تعد تكفيه فيها ، لذلك نجد كثيرًا من الفنانين، بعد رحلات طويلة من التعقيد، يعودون إلى أبسط الأشكال وأكثرها تجردًا ، لأن البساطه تصبح الشكل الأكثر نقاءً للتعبير بعد المرور بكل شيء آخر.

في السينما مثلًا، قد يظن البعض أن الفيلم التجريبي هو فقط الفيلم الذي يكسر السرد أو يبعثر الزمن أو يستخدم صورًا صادمة، بينما يمكن لفيلم شديد البساطة أن يكون أكثر تجريبية من عمل ممتلئ بالتقنيات، إذا كان يمتلك رؤية مختلفة للعلاقة بين الصورة والزمن والمتفرج ، تبدو تجربة جودار واحدة من أكثر التجارب السينمائية قابلية للتفكيك وإعادة القراءة، ليس فقط بسبب راديكاليتها الشكلية، لكن لأنها سينما مشحونة دائمًا بأكثر من طبقة في الوقت نفسه ، طبقة سياسية، وأخرى فلسفية، وثالثة تخص علاقتنا بالصورة ذاتها ، أفلام جودار لا تُشاهد مرة واحدة، لأنها في جوهرها تحمل مساحات مفتوحة للتفكير والاشتباك وإعادة النظر ، كانت سينماه دائمًا رد فعل على العالم، على الحروب، والإعلام، والرأسمالية، والذاكرة، وحتى على السينما نفسها ، كل فيلم عنده يبدو وكأنه يحاور اللحظة التي صُنع فيها أو يقاومها أو يعيد مساءلتها، ولهذا ظل جودار يذهب إلى أقصى الحدود الممكنة في التجريب حتى آخر أفلامه، دون خوف من فقدان الجمهور أو هدم اللغة التي صنعته ، ومع ذلك، كلما ازداد راديكالية، اقترب أكثر من التبسيط؛ صورة ثابتة، صوت منفصل، جملة قصيرة، أو فراغ طويل. كأن رحلته كلها كانت تقوده إلى اكتشاف أن أكثر الأشكال تجريبًا قد تكون أحيانًا أكثرها بساطة وتجردًا، وأن تعقيد الفكرة لا يعني بالضرورة تعقيد الشكل، بل دقته وقدرته على حمل العالم داخله .

أحيانًا يصبح أبسط فعل هو الأكثر راديكالية ، لقطة ثابتة طويلة، مساحة بيضاء، صوت متكرر، جملة ناقصة، أو حتى صمت كامل كلها قد تتحول إلى أدوات تجريبية إذا جاءت من ضرورة داخلية حقيقية، لا من محاولة لإثبات الاختلاف فقط ،لهذا يبدو التجريب، في أعمق معانيه، بحثًا دائمًا عن جوهر الأشياء، لا عن زخرفتها.

ربما لهذا يعود كثير من الفنانين في النهاية إلى البدايات: إلى الخط، إلى الصوت الخام، إلى الجسد، إلى الضوء، إلى الشكل الأبسط الممكن. بعد الذهاب إلى أقصى الحدود، يكتشف الفنان أن التجريب لا يعني الهروب من البساطة، بل الوصول إليها من جديد، لكن هذه المرة بوعي مختلف تمامًا.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia