بين ما كان وما لم يعد ممكنًا قراءة تأملية في عالم هليوبوليس
مدينة تفقد ملامحها بسرعة، وسكانها غارقون في عبق ماضيها، وغير قادرين على التكيف مع حاضرها القاسي ، في كل زاوية من الفيلم نشعر أن شيئا ما يختفي، وآخر غيره يظهر ، وأن ما كان يوما رمزا للحياة والطمأنينة أصبح الأن أثرا باهتا.
يعيش أبطال هليوبوليس في حالة من الإنكار الجمعي، مقاومين فكرة التحول التي تحاصرهم ، يتشبث كل منهم بذكرى ، بمكان ، أو بعلاقة ما ، كأن الماضي هو الملجأ الوحيد في مواجهة حاضر بلا ملامح ، العلاقات داخل الفيلم ليست سوى محاولات مستميتة لمجابهة التغيير، لكنها في جوهرها تعكس عجزا عن تقبله.
إبراهيم بالتحديد يجسد هذا الصراع بوضوح، نستطيع ان نشعر بإصراراه علي القبض علي هذا البريق الذي انطفأ، عن المحبوبة التي ربما لم تعد موجودة إلا في خياله ، فيتجول في شوارع المدينة كمن يبحث عن نفسه ، ونري انه من خلاله هو و الشخصيات الأخرى، يطرح الفيلم سؤالا وجوديا : عن ماهية الإنتماء ، ماذا يعني أن تنتمي إلى مكان لم يعد هو نفسه؟
في النهاية، يدرك الجميع أن المقاومة لم تجد نفعا، وأن محاولة إحياء ما مات هي استنزاف لا طائل منه ، ولا خلاص إلا بالقبول، و بترك الأمور تمضي، حتى لو كان الثمن هو الاعتراف بأن الزمن قد تجاوزهم.
هليوبوليس ليس فقط عن مدينة تتغير، بل عن بشر يتآكلون بصمت مع هذا التغير، عن حنين يتحول إلى عبء، وعن ذاكرة ترفض أن تمحى , هو فيلم يلتقط لحظة التحول بصدق مؤلم، بين ما كان وما لم يعد ممكنا.

Comments
Post a Comment