طبقات من الوهم ثم لا شيء : رحلة كوفمان من التجميل إلى المحو
في فيلمه I'm thinking of ending things , يختار تشارلي كوفمان لقطتي الافتتاح والختام بوعي شديد ، في الفريم الأول الذي يظهر من الفيلم ، ليس ما نراه مجرد ورق حائط مزخرف بالورود، بل هو مجاز لآلية الإنسان في صناعة أوهامه ، نرى شكل جمالي مطبوع ، مكرر ، و بلا حياة، نسمع في اللحظة ذاتها صوت فتاة تعترف برغبتها في إنهاء كل شيء . هذا التوازي بين الصورة والصوت ينفذ مباشرة إلى الحقيقة ، كل ما تراه لاحقا هو ورق حائط فوق جدار متأكل.
ورق الحائط هنا ليس مجرد غطاء، بل تمثيل لطريقة الوعي البشري في تزيين الندوب الداخلية. نحن نعلق على جدران ذواتنا صورا عنا لا تشبهنا، نلون قبح الذاكرة بأزهار اصطناعية كي نحتمل النظر إلى الماضي ، ما نراه جميلا في الظاهر هو في جوهره محاولة يائسة لإقصاء الحقيقة ، فنصنع ديكورا لنخدع أنفسنا بوهم التجاوز .
هكذا يهيئنا كوفمان منذ البداية للدخول في عالم مشيد بالكامل من طبقات، طبقات من التجميل، من الإنكار، من السرديات البديلة التي يبتكرها العقل كي يبرر وجوده ويسكت شعوره بالعجز ، ذلك الجمال المطبوع على الورق ، الذي عفا عليه الزمن، هو صورة الذاكرة حين تتحول من تجربة حية إلى تخيل معاد تدويره ، ذكري مغطاة بورق الحائط كي تصبح صالحة للحفظ .
وعندما نبلغ اللقطة الأخيرة، نري العالم مساحة بيضاء مغمورة بالثلج. لم نعد أمام طبقات من الزخرفة، بل أمام محو تام ، فراغ ممتد ، صمت لا يحاول أن يتنكر ولا أن يقنعنا بدفء مفقود ، موت المعنى، أو ربما انكشافه ، ما يبقى في النهاية ليس ما نتخيله عن أنفسنا، بل ما نعجز عن إخفائه حين تنهار كل الزينة ، فراغ ممتد مؤهل لإحتمالية ولادة جديدة !

Comments
Post a Comment