ظلال لاهث في ضوء لينكليتر: سينما تولد مرة أخرى
من الصعب أن ترى فيلم Nouvelle Vague لريتشارد لينكليتر دون أن تشعر بأنك تدخل مختبرًا سينمائيًا يشتغل فيه المخرج على ذاكرة الفن نفسه: ذاكرة جودار، وصداماته، ولغته، وجرأته، وتناقضاته ، الفيلم ليس استعادة للماضي، بل محاولة جريئة لإعادة فتح الأسئلة التي طرحتها الموجة الجديدة في لحظة ولادتها، كأن لينكليتر يسأل من جديد: ماذا يحدث عندما نعامل السينما كفعل تفكير قبل أن تكون حكاية؟
التمثيل هنا لا يقتصر علي أداء للشخصيات، بل محاولة لالتقاط الجوهر الجوداري: شخصيات تتكلم وكأنها تعلن أفكارًا، تنظر للكاميرا كأنها تعي وجودها داخل فيلم، تتحرك بخفة لا واقعية ولكنها صادقة في عالمها الخاص ، لينكليتر لا يبحث عن تشابه بصري مع شخصيات جودار، بل عن تلاقي روحي ،كل ممثل يحمل ما يكفي من الغموض ليكون جادًا وهزليًا في الوقت ذاته ، جديًا وفوضويًا، سياسيًا وشخصيًا، تمامًا كما صنع جودار "شخصية الموجة الجديدة" ، هذا الكاستينج يمنح الفيلم حيوية تجعله أقرب إلى لقاء مع ممثلين يتحولون بأنفسهم إلى أبطال قصة عن صناعة فيلم، وليس إلى تجسيد شخصيات داخل فيلم مكتمل.
اختيار لينكليتر تصوير الفيلم على شريط ٣٥ مم لم يكن خطوة تقنية أو محاكاة شكلية، الصورة ذات الحبوب الكثيفة، الاهتزازات الدقيقة، والخدوش التي تظهر فجأة على أطراف الكادر، تحيل إلى زمن كانت فيه المادة جزءًا من المعنى ، حتى آثار حروق السجائر التي تظهر كندوب على السيلولويد تضيف إحساسًا بالوثيقة، كأن الفيلم لا يكتفي بأن يروي قصة، بل يعرض جسده أمامنا: هذا فيلم يولد على شريط، يجازف، يتنفس، ويتعرق ، هذه الطبقة المادية تمنح للمشاهد شعورًا بالحميمية: كل لقطة تبدو كأنها خرجت من صندوق قديم، لكنها ما زالت حية في يد مخرج يعرف كيف يعيد تنشيط الذاكرة.
يحاكي لينكليتر Breathless ليس في بنية القطع فقط، بل في الفلسفة التي تقف وراء القطع ، التقطيعات السريعة، المفاجئة، المتناثرة، ليست أسلوبًا بصريًا فحسب، بل وجهة نظر: أن العالم لا يُروى بخط مستقيم، وأن الزمن لا يجب أن يُحترم إلا بقدر ما يخدم الفكرة ، والأكثر إثارة أن الفيلم يستخدم هذا المونتاج كوسيلة لتعليق الأسئلة ، فكل قطع يفتح فجوة صغيرة: ماذا حدث بين اللحظتين؟ لماذا اختفى حدث ما؟ لماذا توقفت الشخصية عن الكلام فجأة؟ ، هذه الفجوات ليست نواقص، بل دعوات للتأمل ، تمامًا كما فعل جودار في لحظة اندفاعه الثورية.
حتى قرار لينكليتر أن ينهي يوم التصوير داخل الفيلم لأن "جودار" في داخله يقول إن اليوم انتهى، هو فعل سخرية جادة: الفيلم يعترف بأنه فيلم، ويعترف بأن صناعة الفيلم هي جزء من موضوعه.
لا يستخدم لينكليتر كسر الجدار الرابع كتحية سطحية للموجة الجديدة، بل يجعل منه جزءًا من نسق الفيلم كله ، حين تنظر الشخصيات إلينا مباشرة، فهي تفعل ذلك لأنها تدرك أنها محاصرة في تجربة سينمائية تتعامل مع الوعي والتأمل كأدوات سردية، بهذا تتحول العلاقة بين المتفرج والشخصية إلى علاقة تبادل: الشخصيات لا تخبرنا فقط بما يحدث، بل تطلب منا المشاركة في إعادة تعريف ما يحدث.
يستدعينا الفيلم لمواجهة الجانب الأكثر إثارة في جودار: قدرته على أن يكون نقيض نفسه بين لقطة وأخرى، وأن يعيد صياغة مواقفه وفق شروط اللحظة ، لينكليتر يلتقط هذا التركيب المركب ببراعة ، الشخصيات تتناقض، تعلن شيئًا وتفعل عكسه، ترفع سقف الوعي ثم تهدمه بسخرية طفلية.
هذه الفوضى الخلاقة هي روح جودار التي ينجح الفيلم في استحضارها من دون نسخها.
بكل ما سبق، يمكن أن نرى Nouvelle Vague كرسالة حب مكتوبة بصدق مدهش، ليست رسالة مبتذلة، ولا بناء متحفي، بل قصيدة حية، يتحرك فيها لينكليتر بصفته تلميذًا وفي الوقت نفسه شريكًا في الحوار مع تاريخ السينما.
الفيلم يعيد طرح السؤال الذي طرحه جودار يومًا:
ماذا لو كانت السينما في حد ذاتها حدثًا؟ لا وسيلة، بل غاية.
وهكذا يصبح الفيلم احتفالًا بالسينما كما يجب أن تكون:
فعلًا حرًا، مفتوحًا، متمردًا، وغير مكترث إلا بأن يكون صادقًا مع نفسه.
Comments
Post a Comment