لغة الغياب: كيف يصنع ثريا حبي أرشيفه الخاص
يبدأ ثريا حبي من العتمة ، شاشة سوداء وصوت متردد لا نرى صاحبه ، تتأخر الصورة عمداً، كأن الفيلم يمنح الذاكرة لحظة لتجمع شتاتها قبل أن ترى ، وحين تنفتح الكاميرا أخيراً، تظهر الفنانة ثريا خوري في محادثة فيديو، لا بوصفها شاهدة على حياة مارون بغدادي فقط، بل بوصفها من بقيت لتحمل عبء السرد وحدها. اختيار الافتتاح بالصوت قبل الصورة يؤسس منذ اللحظة الأولى لثيمة الفيلم الأساسية: استعادة الغائب عبر وسيط هش، ومساءلة ما إذا كان الصوت يسبق الوجود أم يستدعيه.
يبني الفيلم لغته البصرية عبر ثلاث طبقات زمنية ومادية متداخلة :
الفوتوغرافيا القديمة التي تحمل أثر الزمن، وتبدو كأنها تحاول أن تتذكر بالنيابة عن أصحابها ، ومحادثات الفيديو بين المخرج وثريا، حيث تتقاطع الذاكرة مع اللحظة الحاضرة، ويصبح صوت ثريا بضحكاتها المفاجئة وبكائها المنكسر مادة شعورية خام تكاد تكون أهم من الصورة نفسها ، و المشاهد المعاد تصويرها، وهي أكثر طبقات الفيلم شاعرية، حيث نرى ثريا جالسة في سيارة مارون، الكرسي المجاور لها فارغ، كعلامة جسدية على الغياب ، تمر عبر الطرقات وتمشي في الحقول، كأنها تستعيد مسار حياته عبر الحركة، وتحاور فراغ الكرسي الذي كان يخصه.
هذه المشاهد المعاد تمثيلها لا تحاول استعادة الماضي كما كان ، بل تكشف المسافة بين الحاضر وذلك الماضي، وتحول الفقد إلى حركة، وإلى جسد يقطع مساحة لم يعد فيها صاحبه ، الفراغ في كرسي القيادة يصبح استعارة مركبة: غياب مارون، وعبء القيادة الذي انتقل إلى ثريا، ومسؤولية الحفاظ على ذاكرة رجل ظل أكبر من حياته وأكبر من موته.
المونتاج والتنقل المستمر بين هذه الأوساط يخلق حالة شعورية مكثفة، يتصدرها صوت ثريا الذي لا يحكي فقط، بل يعيش الحدث من جديد ، ضحكتها تأتي كنوع من المقاومة، وبكاؤها كتسجيل حي لجرح لم يلتئم ، هذه الصراحة العابرة للوسيط تمنح الفيلم صدقه وشفافيته، وتجعل المتلقي يشعر أنه ليس أمام شهادة تاريخية، بل أمام علاقة تعاد كتابتها في كل لحظة.
يختبر ثريا حبي علاقة المتلقي بالصورة اختباراً مباشراً وغير مهادن. فالتنقل المستمر بين الفوتوغرافيا القديمة، ومحادثات الفيديو الحية، والمشاهد المعاد تصويرها يخلق تجربة مشاهده غير خطية، تعتمد على التقطيع الحاد والانتقالات التي تشبه حركة الذاكرة أكثر مما تشبه سرداً منضبطاً.
هذا البناء قد يفتح أفقاً واسعاً لبعض المتلقين، لأنه يعكس طريقة عمل الذاكرة البشرية ذاتها ، غير مرتبة، قاطعة، مشحونة بالعاطفة، تنتقل من صورة ثابتة إلى أخرى متحركة دون مقدمات، ومن لحظة حاضرة إلى أخرى مفقودة ، بالنسبة لهذا النوع من المشاهدين، يتحول الفيلم إلى تجربة حسية وفكرية في آن واحد ، تصبح فيها اللغة السينمائية أداة لتفكيك الشعور بدلاً من رواية حدث، ويصبح صوت ثريا جسراً يربط الوسائط الثلاثة، فيخلق وحدة عاطفية رغم تشتت الصورة.
لكن متلقياً آخر قد يحيد عن الفيلم تماماً، وقد يرى في هذا التشظي البصري عبئاً أو انقطاعاً في التواصل مع السرد ، فالفيلم لا يمنح مشاهده نقطة ارتكاز ثابتة، بل يدفعه إلى المشاركة في تجميع معنى يتشكل تدريجياً من الشذرات والفراغات والقطائع ، هذا النوع من المتلقي قد يشعر بأنه خارج التجربة، لأن الفيلم لا يقدم سرداً محدد بقدر ما يقدم بنية شعورية تتطلب انخراطاً تأملياً.
تكمن قوة الفيلم في أنه واع تماماً بهذا الانقسام المحتمل في التلقي ، فهو يستخدم هذا التشظي كجزء أساسي من لغته السينمائية، كأنه يقول إن استعادة شخص بحجم مارون بغدادي لا يمكن أن تتم إلا عبر وسائط متنافرة، وإن العلاقة بين ثريا ومارون نفسها لا يمكن روايتها بشكل خطي لأنها علاقة مؤسسة على ذاكرة مجروحة، وحنين، وأرشيف ناقص ، لذلك يصبح البناء الثلاثي ليس مجرد أسلوب، بل جوهر التجربة: طريقة لفهم كيف يعاد تشكيل الغياب في الصورة، وكيف يساهم المتلقي نفسه في إكمال ما لا يقال
مع تقدم السرد، يتسلل سؤال آخر أكثر خطورة: رحيل مارون بغدادي العبثي في حادث وصف بأنه عرضي، ثم خضع لاجتهادات سياسية وإشاعات جعلت من موته لغزاً بدلاً من خسارة إنسانية ، لا يسعى الفيلم إلى تقديم حقيقة نهائية، بل يتعامل مع الغموض بوصفه جزءاً من هوية الرجل وجزءاً من طبيعة الصورة التي تركها خلفه.
في جوهره، ثريا حبي هو محاولة لترميم أثر، لا لإحياء ماضٍ. فيلم عن الحضور الغائب، وعن العلاقة التي تستمر بعد أن يتوقف طرف منها عن الوجود. إنه عمل يستخدم الأرشيف ليعيد تشكيل الذاكرة، ويستخدم الصورة ليقول ما لا يقال، ويستخدم ثريا نفسها بصوتها، بحركتها، بضحكاتها وبكائها ، كمنطقة التقاء بين الحياة والسينما.
وهكذا يتحول الفيلم إلى مساحة تأملية عن الحب والغياب، وعن الصورة كوسيط للنجاة من النسيان، وعن السينما كعزاء، وكاستمرار لما كان يجب أن يظل.
Comments
Post a Comment