رسائل البحر : حين يهمس البحر.. ولا نملك إلا الإصغاء
يأتي رسائل البحر كعمل يتجاوز حدود الحكاية، ليضع المشاهد في حالة من التأمل والتساؤل ، يتعامل داود عبد السيد مع فكرة الحياة بوصفها لغزاً لا يقصد دوما أن نفهمه ، الفيلم هنا ليس عن بطل أو حدث ، بل عن وعي يفيق فجأة داخل الإنسان الملقي في هذا الوجود بلا دليل واضح لكنه يبحث عن معنى ما، أو حتى إشارة.
منذ البداية، يفكك الفيلم وهم الفهم السريع للآخر ، السطح ليس إلا قشرة ، وما يسميه الناس معرفة غالبا ليس سوي حكما سطحيا ، الرسائل التي يعثر عليها يحيى لا تختلف عن البشر لا تقرأ من غلافها ، بل من استعدادنا للإصغاء لما بين حروفها ، كل شخصية في الفيلم هي امتحان لإدراكنا ، الطبيب الذي يتحطم تحت سخرية من لا يرون هشاشته، الرجل ذو الملامح التي تخيف بينما روحه لا تعرف إلا اللطف، والمرأة التي صارت موضوعا لحكم المجتمع لأنها تجرأت أن تكون مختلفة ، جميعهم يطرحون نفس السؤال : هل يمكن إدراك الإنسان دون لمس ألمه؟
يمكن قراءة رحلة يحيى إلى الإسكندرية ليس كهروب، بل إعلان صريح للإنفصال عن الصورة التي صنعها له الآخرون ، الوحدة هنا ليست نقيض الوجود الاجتماعي ، بل شرط أصيل لولادة الذات ، حين ينسحب يحيي من صخب العالم يبدأ بالتعرف على ذاته كما لو كان شخصا يقابله للمرة الأولى. ، لكن الحياة لا تمنح الحرية بلا ثمن ، فهي تختبره، تربكه، وتمنحه إشارات كي لا يرتد إلى الماضي الذي كاد يبتلعه مرة أخري ، وفي قلب الرحلة تتجسد نورا لا كحبيبة، بل كحكمة ، حضورها في الفيلم لا ينتمي لعاطفة رومانسية، بل لوظيفة فلسفية ، تذكير بأن الهوس بفهم العالم هو سجن آخر ، نورا ليست شرحا ، بل مرآة تعكس ليحيى لغز الحياة ، فوجودها هو صوت يهمس ليخبرنا أن الحياة تعاش، لا تفسر.
يتوقف الفيلم طويلا عند العلاقة بين الذاكرة والهوية ، في عالم داوود الذاكرة ليست حمولتنا الثقيلة، بل مقابل لوجودنا ، إن محوها مهما بدا خلاصا ، هو فناء للذات وهي لا تزال تتنفس ،
الإنسان لا يولد حين يبدأ من الصفر، بل حين يقدر أن يحمل تاريخه دون أن يختنق به ، فرغبة يحيى في التحرر لا تكتمل إلا حين يدرك أن الهروب من الذاكرة هو في جوهره هروب من الحياة
أما الرسالة التي يعبر البحر من أجلها، فهي قلب الفلسفة التي يقترحها الفيلم ، الكون يرسل إلينا رسائل، لكن ليس بالضرورة لنفك شفرتها ، قد تكون الرسالة في وصولها، لا في معانيها. ليس العيب أننا لا نفهم، بل في افتراضنا أن الفهم ضرورة ،ربما يكفي أن ندرك أن هناك من يخاطبنا، حتى لو لم نعرف اللغة ، فأحيانا كل ما نحتاجه هو الرفقة ، لينتهي الفيلم كما يبدأ بإنسانين صغيرين أمام اتساع العالم ، لكن الفارق أن التيه هذه المرة لم يعد مرادفا للخوف ، لقد تحول إلي مساحة مشتركة تهمس بأن الوجود قد يكون بلا معنى واضح ومع ذلك يستحق أن يعاش .
رسائل البحر هو حالة تذكرنا بأن الحياة، مثل البحر ، لا تكشف سرها لمن يقف على الشاطئ منتظرا الأجوبة ، بل لمن يغامر بالسباحة، ويقبل إشاراتها حتى وإن بقيت غامضة.
Comments
Post a Comment