على حوافر الشعر: حصان كوكتو الذي يعبر من الظل إلى الضوء

 يدرك جان كوكتو بوصفه شاعرا قبل أن يكون سينمائيا، أن الكائن الهجين هو المعادل البصري الأقرب لحقيقة الشاعر، ذلك الكائن الذي يعيش بطبيعة منقسمة ويبحث عن اكتمال يستحيل الوصول إليه ، يمكن قراءة ذلك بوضوح في فيلمه وصية اورفيس حيث أستخدم جان كوكتو الحصان ، بوصفه استعارة وجودية للشاعر ولحالة الفن ذاته .
 الحصان الذي نراه ليس كائنا مكتمل الهيئة، بل كائن هجين متردد بين شكلين، بين عالمين عالق في منطقة رمادية تشبه تمامًا موقع الشاعر في الكون ، لا ينتمي كليا إلى الواقع ولا يستطيع الاندماج في الأسطورة ، اشبه بظل بيغاسوس ، الحصان المجنح في الميثولوجيا الإغريقية الذي يقال إنه حين ضرب بحافريه صخرة الهليكون تفجرت نافورة هيبوكرين، مصدر الإلهام الشعري الخالص ، بيغاسوس كان أبيض، ناصعا، سماويا، رمزا للإلهام الذي يمنح الشاعر أجنحة ليتجاوز العالم أما حصان كوكتو فأسود ،ثقيل، أرضي، ومفتقد لذلك النقاء الأسطوري.




يمكن هنا تحويل اللون إلى مفتاح للقراءة ، الأبيض في أسطورة بيغاسوس يرمز إلى الحياة في أسمى صورها كالصعود نحو نور الخلق ، الأبيض هو ولادة القصيدة، اللحظة التي يشعر فيها الشاعر نفسه يحلق بأجنحة خفيفة. أما الأسود في وصية أورفيوس فهو مرادف للموت، للظل، للهبوط، للمراجعة القاسية التي يفرضها الزمن على الفنان ، ليذكره بأنه فاني ، وأن الفن مهما حلق سيعود في النهاية إلى الأرض ، ومن خلال هذا التباين، لا يقدم كوكتو مجرد رمز بصري، بل يقيم حوارا بين الفن القديم الذي كان ينهل من منابع سماوية، والفن الحديث الذي صار يتيه في هشاشته، محاصرًا بثقل العالم.




إن اختيار كوكتو لحصان أسود غير مكتمل هو اعتراف صريح بأن الإلهام لم يعد يأتي من السماء كما تخيله الإغريق، بل أصبح إلهاما معطوبا ، يفتقد أجنحته. وكأن كوكتو يقول إن الفنان المعاصر لم يعد وريثا مباشرا لبيغاسوس، بل هو مجرد ظله المبتور ، فالحصان الهجين لا ينشد الكمال فحسب، بل ينشد الخلاص أيضا ، يريد أن يصبح بيغاسوس لكنه يحمل الموت ملتصقا بالحياة، كما يحمل  الشاعر المعاصر في قلبه رغبة الخلق وخوف الزوال في آن واحد ، بهذا يصبح الحصان الأسود في وصية أورفيوس تجسيدا للشاعر الذي يقف على عتبة حدودية نصفه يعيش في عالم البشر، ونصفه يحدق في الغيب ، يسعى لبلوغ النور لكنه مقيد بظله ، كائن يولد من اصطدام الحياة بالموت، من صراع مستمر بين الرغبة في الصعود ونداء السقوط ،ومع كل محاولة للركض نحو الأسطورة، يتذكر بأن الفن لا يمكن أن ينفصل عن هشاشة من يخلقه.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia