من طريق بلا حدود إلى بيت مزدحم بالذكريات: المكسيك في عيني كوارون

 كانت المكسيك عند مطلع الألفية تشبه مراهقًا يكتشف جسده للمرة الأولى مرتبك , متوتر, لكنه مأخوذ بإحساس غامض بالتحرر, فبعد انتهاء سبعة عقود من حكم حزب الثورة المؤسسية , في لحظة بدت فيها البلاد تلتقط أول نفس حر بعد زمن طويل من الفساد والرقابة والطبقية الصارخة وتحت هذا السطح المتفجر بالتغيير, كانت المكسيك تحاول إعادة تعريف ذاتها كبلد تتجاور فيه الحداثة والريف المهمل , الثراء الفاحش بجوار الفقر المدقع, والحرية كسلوك فردي مقابل الحرية كحق اجتماعي وفي تلك اللحظة التي كانت فيها البلاد تحاول أن تفهم معنى الحرية خارج الشعارات, قرر ألفونسو كوارون أن يقودنا في رحلة جسدية, أكثر نزقًا, وأكثر صدقًا مما يسمح به الخطاب السياسي نفسه.

“Y Tu Mamá También”  هو فيلم عن الجسد كأرض سياسية , وعن رغبة فردية تتقاطع مع رغبة وطن يبحث عن لغة جديدة للحياة , الرحلة التي يخوضها خوليو وتينو وتشوي , بطابعها الإيروتيكي المتهور, ليست مجرد رحلة هروب نحو البحر, بل هروب من تاريخ , من طبقة ومن هوية يحاول كل طرف محوها أو إعادة كتابتها , كأن مكسيكين بداية الألفية لا يجدون أنفسهم إلا عند حدود جسد آخر, سرير آخر, أو طريق سريع آخر ينتهي دائما عند بحر لا يتغير , في هذه الرحلة التحرر ليس حدثا, بل اختبار مؤلم , ونشوة اللذة ليست سوى مرآة لنشوة بلد يسكر للمرة الأولى بإحساس الحرية , قبل أن يكتشف أن الثمن أكثر تعقيدًا مما تخيل.



في الطبقة الأولي للحكاية يمككنا أن نري مراهقين يتنافسان على المتعة , إلا أن كوارون ينسج تحت الجلد حكاية أخرى عن المكسيك نفسها , فالصداقة بين خوليو وتينو ليست بريئة من جذور الطبقية , أحدهما ابن برجوازية متخفية تحت قشرة الحداثة، والآخر امتداد لطبقة متوسطة تحاول أن تصعد لكنها تصطدم بسقف غير مرئي , الجسد هنا ليس مساحة للمتعة فقط بل ميدان لتوريث السلطة ولتبادل الخسارات, كل قبلة، كل سرير, كل خيانة صغيرة ، تحمل أثرا طبقيًا لا يمحي , حتى وإن جاءت مغمسة بالنشوة والضحك والسكر , ولعل أجمل مفارقات الفيلم أن الطريق المفتوح رمز الحرية يقودهم في النهاية إلى مواجهة ما لم يرغبوا في رؤيته هشاشة هذه الحرية حين تختبر على أرض الواقع , فالرحلة لا تحررهم , بل تكشف حدود تحررهم.



روما: عودة إلى ذاكرة بلد تغير وجهه

عندما عاد ألفونسو كوارون إلى المكسيك بفيلمه Roma عام 2018 , لم يعد عودة الابن الضال بشهوة المغامرة , بل كمن يعود إلى بيت تركه فوجد الجدران ذاتها لكن الهواء تغير كانت المكسيك قد عبرت ما يقارب عقدين من الانفتاح النيوليبرالي وتحوّلات اقتصادية وصدامات اجتماعية أعادت تشكيل طبقاتها وتوزيع القوة داخلها .



إذا كان "Y Tu Mamá También" قد صور في لحظة “سكر سياسي أول” , فإن Roma  يأتي بعد إفاقة طويلة وثقيلة, حيث تتضح آثار الصحو على الوعي والذاكرة والجسد الاجتماعي.

في روما, السياسة لا تمر عبر الطريق السريع أو صخب المراهقة, بل عبر البيت في فضاؤه الصامت، طبقاته المخفية، والخادمة التي تدار يومها وفق إيقاع سلطة غير معلنة , الفيلم يجعل السياسة مستترة مثل غبار على أرضية لا يراه إلا من يمسك الممسحة, كوارون لا يعود هنا ليصور الحرية, بل ليفهم ثمنها, كيف دفعت من أجساد نساء لم يكن لهن صوت في الأفلام ولا في التاريخ الرسمي .


ما بين النشوة الأولى والصفاء الأخير, يقدم كوارون مشروعا سينمائيا تتغيّر فيه علاقة المخرج ببلده كما تتغير علاقة المراهق بجسده , الأولى مفعمة بالجرأة والاكتشاف, والثانية محملة بالحكمة والألم , ومع ذلك، يظل البحر حاضرًا في الفيلمين, كأنه مرآة واحدة تتسع لكل أشكال الحلم والخسارة , فسواء عبر طريق سريع أو عبر ساحة منزل ضيقة, يذكرنا كوارون بأن التحرر ليس حركة نحو الخارج , بل رحلة داخل طبقاتنا الأكثر صمتًا.

بين الفيلمين, تتبدل صورة المكسيك من بلد يكتشف جسده, إلى بلد ينظر في مرآة ذاكرته الطبقية, وهنا يكمن التحول في سينما كوارون: لم يعد يسأل كيف نتحرر؟ بل : ممن تحررنا؟ وعلى حساب من؟





Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia