الفارق الطبقي وتحول الهوية : قراء لفيلم ما الذي تقوله الطبيعة لك
في قاعة عرض صغيرة تضم عدداً محدوداً من المتلقين، يتحول فيلم هونغ سانغ سو "ما الذي تقوله الطبيعة لك؟" إلى تجربة شبه فردية: وجوه متأملة، أخرى تغفو بهدوء، وكأن الفيلم يسمح لهم بأن ينسلوا من أنفسهم قليلاً هنا، حضور الجمهور يصبح امتداداً لأسلوب هونغ سينما جلسة علاجية، تتركك تصغي أكثر مما تشاهد.
منذ اللحظة الأولى، يعتمد الفيلم على بناء دائري متكرر: البطل يتم التعريف به مرارا لعدد مختلف من الشخصيات، وكل مجموعة من الشخصيات تعلق على الأشياء نفسها شكل حياته، خلفيته، موهبته، وضعه الاجتماعي لكن ردود الشاب تتبدل مع كل مرة ، ليست فقط طريقة تعريفه التي تتغير، بل أيضاً الصورة التي يلتقطها الآخرون عنه ، كأن الفيلم يعيد إنتاج اللقاء الأول بين شخصين عدة مرات، ليكشف أنه لا يوجد تعريف ثابت للنفس، وأن الانطباع ليس سوى انعكاس للحظة وللشخص الذي يقف أمامك.
تتعمق الفكرة أكثر في الخط الذي يرسمه الفيلم حول التفاوت الطبقي بين الشاب وبين عائلة حبيبته ، هناك إصرار ملحوظ على طرح أسئلة بسيطة لكن جارحة:
لماذا يقود سيارة قديمة؟
كيف يعيش هكذا بينما والده رجل غني ومشهور؟
ولماذا يبدو غير مهتم بأي من مظاهر الامتياز التي يفترض أن تكون جزءاً من حياته؟
كل فرد من العائلة يكرر السؤال نفسه تقريباً، بطرق مختلفة وبدافع فضولي أو مُدان ضمنياً. لكن الشاب يقدم إجابة مختلفة في كل مرة
ساخرا في احد المرات ، او محايدا ، بل حتي غاضبا ،لا يكشف عن حقيقة واحدة بقدر ما يحرر نفسه من فكرة الحقيقة الواحدة، هذا التغير في الإجابات ليس مجرد لعبة سردية، بل جزء من حالة وجودية: الشاب نفسه لا يعرف من يكون بالضبط، أو ربما يعرف ويرفض أن يقدم نفسه بشكل ثابت.
هذا التذبذب الشخصي يتوازى مع اختيارات الفيلم البصرية: لقطات الموت دائماً خارج التركيز، ضبابية، بلا وضوح امتداد لرؤية البطل الذي يعترف بأنه يرى الحياة أفضل من دون نظارته ،يرى العالم أقل حدة، أكثر غموضاً، وكأن الضباب هو المساحة الوحيدة التي يمكنه احتمالها، هي رومانسية ساذجة، نعم، لكنها ربما الطريقة الوحيدة التي يقاوم بها واقعاً طبقياً يخنقه وتوقعات اجتماعية تريد منه أن يكون شيئاً محدداً.
كاميرا هونغ تبقى مراقبة، لا تتدخل ولا تقترب، لا تحكم، لا تصحح، ولا تفسر ، شخصيات الفيلم تتحرك داخل الفصول المقسمة، كأن الطبيعة هي التي تمنح الإيقاع، لا السيناريو ، والطبيعة هنا ليست رمزاً، بل مساحة لتبدل الانطباعات، أشبه بلقائك بشخص للمرة الأولى في فصل، ثم مقابلته من جديد في فصل آخر ، الشخص نفسه، لكن الانطباع مختلف، والظل مختلف، والضوء مختلف.
في نهاية المطاف، يبدو أن سؤال الفيلم ما الذي تقوله الطبيعة لك؟ لا يطرح على الشخصيات فقط، بل علينا نحن أيضاً.
وربما هذا هو ما تقوله الطبيعة لنا: أن نترك الأشياء كما هي، بلا وضوح زائد، بلا رغبة في الفوز بالمعنى، وبلا حاجة لليقين.
Comments
Post a Comment