جماليات مستنفذة في عالم ينتهي : قراءة في فيلم peak everything
يقدم فيلم Peak Everything نفسه بوصفه عملاً ساخراً عن قلق الإنسان المعاصر، لكنه يفعل ذلك عبر أدوات تبدو في معظم الأحيان أقل نضجاً من طموحه المعلن ، فالكوميديا المباشرة التي يفتتح بها المشاهد الأولى، بجمل صريحة ومصاغة بوضوح شديد، تظهر رغبة في خلق إيقاع سريع، إلا أنها تكشف أيضاً ميل الفيلم إلى التفسيرية الزائدة، وإلى التعامل مع المتفرج كما لو أنه يحتاج باستمرار إلى إرشاد لمعنى كل لحظة، هذا الأسلوب، وإن كان فعالاً في توليد تفاعل سريع، يضع الفيلم في منطقة قريبة من Punk Drunk Love من حيث التوتر الداخلي وطاقة الأداء، لكنه يفتقر للعمق الذي ميز ذلك العمل، فيتحول التشابه إلى مجرد تقاطع سطحي في الإيقاع لا في الرؤية.
تعتمد البنية الأسلوبية للفيلم على المونتاج المتتابع والقطعات الحادة بوصفها أداة مركزية في بناء المعنى ، غير أن هذا الاستخدام يبدو في معظم الأحيان أقرب إلى محاولة لتعويض غياب التماسك الدرامي منه إلى خيار جمالي واع ، فالمونتاج هنا ليس وسيلة لإعادة تركيب العالم، بل آلية للهرب من مواجهة حاجة المشهد إلى الاستقرار كي يظهر ما يخفيه فعلياً ، كل قطع يأتي كإيماءة نحو شيء أكبر: نهاية، خوف، انقطاع في الزمن، لكن التكثيف المفرط يمنع أي من هذه الإيماءات من الترسخ أو التراكم ، وهكذا يجد المتفرج نفسه أمام سلسلة من الانقطاعات التي تعد بمعنى ولا تنجزه.
يحضر الثلج بكثافة كخلفية بصرية يفترض أنها تحمل أبعاداً رمزية: العدم، الصمت، التجمد، هشاشة العالم ، لكن تكرار الاستعارة دون تطوير بصري أو سردي يجعل وجوده أقرب إلى ديكور رمزي جاهز، لا إلى جزء من منطق الفيلم الداخلي ، فالثلج في هيئته المتكررة لا يخلق طبقة إضافية من المعنى، بل يؤكد اعتماد الفيلم على رموز مستنفدة تستخدم كاختصار بصري لما يصعب صياغته درامياً ، هذه الإحالة السهلة إلى رمزية الطهر أو النهاية تضعف قدرة العمل على تقديم مشهدية تتجاوز القالب المألوف.
يحاول الفيلم أيضاً استدعاء أسطورة آدم وبداية الخلق في سياق معاصر، وهو اختيار كان يمكن أن يفتح مساحة تأمل واسعة حول التكرار الوجودي أو عبثية العودة إلى الأصل، لكنه يطرح بطريقة مباشرة تجعل الثيمة أشبه بإشارة معلنة أكثر من كونها جزءاً عضوياً من السرد ، تتكرر الإحالات نفسها في أكثر من مشهد من دون إعادة تشكيلها أو اختبارها داخل سياق تطور الشخصية، مما يجعل الرمز ثابتاً وقابلاً للتوقع، وبالتالي فاقداً لطاقته التأويلية.
الخوف من نهاية العالم، وهو المحور الذي يحاول الفيلم البناء عليه، يقدم غالباً باعتباره خطاباً أكثر منه تجربة ، الشخصيات تتحدث عن النهاية، لكنها نادراً ما تعيشها أو تجسدها بصرياً ، يظهر القلق كطبقة فوقية مفروضة على السرد لا متولدة منه ،وهكذا يتحول الهم الوجودي إلى مادة تعلن نفسها بدل أن تنكشف عبر حركة الصورة، ما يجعل الفيلم يبدو في لحظات كثيرة كعمل منشغل بفكرة العمق أكثر من ممارسته فعلاً.
في المحصلة، يتأرجح Peak Everything بين رغبة واضحة في إنتاج خطاب رمزي واسع حول العصر، وبين أدوات سردية وبصرية لا تمنح هذه الرغبة ما تحتاجه من دقة أو تراكم ، النتيجة فيلم يمتلك حساسية تجاه موضوعه، لكنه يغلب عليه الإفراط في التبسيط والاعتماد على استعارات جاهزة، ما يمنعه من الوصول إلى طبقة فلسفية راسخة أو حتى إلى كوميديا سوداء مكتملة البناء ،إنه عمل يطمح إلى الإمساك بحالة وجودية شديدة التعقيد، لكنه يظل في حدود المعالجة السطحية التي تظهر الطموح أكثر مما تظهر القدرة على تحقيقه.
Comments
Post a Comment