الست: سيرة تُرى أكثر مما تُعاش

 


ينتمي فيلم «الست» لمروان حامد إلى تقليد سينمائي بالغ الحساسية: فيلم السيرة الذاتية ، وهو تقليد لا يقوم فقط على سرد حياة شخصية عامة، بل على إعادة تأويل علاقتها بالزمن، بالسلطة، وبالذاكرة الجمعية، تكمن أزمة هذا النوع في خطرين متقابلين: التقديس الذي يحول الشخصية إلى تمثال، والاختزال الذي يحولها إلى مجموعة محطات زمنية ، يقع الست في الفخ الثاني، حيث تُختزل أم كلثوم إلى سلسلة لحظات مفصلية، بلا تحليل بنيوي للشروط الاجتماعية والسياسية التي صنعتها ، يختار مروان حامد أن يقترب من أيقونة بحجم أم كلثوم، ليس بكونها سؤالًا مفتوحًا أو لغزًا إنسانيًا، بل بوصفها “موضوعًا جاهزًا” قابلًا للتجميع، كأننا أمام مشروع إعادة تصنيع أكثر من كوننا أمام محاولة فهم ، ومنذ اللقطة الأولى، يعلن الفيلم عن هذا الالتباس الجوهري.

الافتتاح بلقطة طويلة واضاءة دافئة إلي حد ما توحي أننا بصدد تأسيس اسلوبية شاعرية ، لكن سرعان ما ينتهي ذلك مع اول قطع في الفيلم ، لتتحول اللقطة الاولي لمجرد لقطة استعراضية بلا امتداد درامي ، أيضا اختيار ان يكون مشهد الافتتاح بحفلة لأم كلثوم في فرنسا، اول صوت نسمعه هو صوت متحدث بلغة اخري غير العربية ، ووجه أوروبي يصغي لصوت عربي ، يبدو كلقطة تأسيسية تسعى لإعلان العالمية، لكنها في الحقيقة تخلق ارتباكًا مبكرًا: عن أي فيلم نحن بصدد المشاهدة؟ هل هو عن استقبال الغرب لأم كلثوم؟ عن نظرة الآخر؟ ، هذا الارتباك لا يُحل، بل يتعمق مع حادثة السقوط، ومع مشهد الأفان تتر الذي لو قمنا بعد القطعات فيه، لأصيب المشاهد بدوار فعلي ،في البداية قد تظن أن هذا القطع العصبي محاولة لخلق توتر أو ترقب، لكن الصدمة تأتي لاحقًا: هذا ليس استثناءً، بل هو الأسلوب المعتمد طوال الفيلم ،يعتمد الفيلم على مونتاج عصبي مفرط، خصوصًا في المشاهد الافتتاحية ، من منظور نظري يمكن قراءة المونتاج بوصفه أداة لإنتاج المعنى عبر التصادم  أو عبر الاستمرارية ، غير أن الست لا ينتمي لأي من المنهجين ، القطع لا ينتج تصادمًا دلاليًا، ولا يحافظ على استمرارية شعورية ، قطع بلا وظيفة، يحول المونتاج من لغة إلى عرض تقني، الأهم أن هذا الإيقاع يتناقض جذريًا مع طبيعة صوت أم كلثوم نفسها، المبني على التطريب، التكرار، والتراكم الزمني، هنا يتصارع الشكل مع الموضوع بدل أن يتحالف معه.


خلال الساعة الأولى، تشعر أنك تشاهد فيلمًا عن مغني چاز أمريكي. هذا ليس مجازًا، بل إحساس حقيقي تولده الموسيقى السيئة والمتكررة، الموسيقى التي تُصر على الحضور في كل لحظة تقريبًا، حتى تفقد أي أثر أو معنى ، الأمر ذكرني بتجربة مهرجان القاهرة هذا العام حين تُعاد مقطوعة «100 سنة سينما» للمرة المليون، حتى تتحول من احتفاء إلى تعذيب سمعي، شعور قريب من دخول مصحة نفسية ،ثم تأتي إضافة نغمة «يا حبيبي» لأم كلثوم، لا بوصفها لحظة شعورية، بل كعلامة توكيد فجة: انتبه، هذا فيلم عن أم كلثوم، كأن الفيلم لا يثق في وعي المشاهد أو قدرته على الالتقاط.


الموسيقى التصويرية تمثل أحد أكثر عناصر الفيلم إشكالية ، فهي لا تنبع من السياق الثقافي للصوت الكلثومي، هذا الاختيار يخلق اغترابًا سمعيًا، ويقوض الهوية الصوتية للفيلم ، فيصبح استخدام أغاني أم كلثوم ذاتها يأتي بوصفه علامة جاهزة ، لا جزءًا من البناء الدرامي، فيتحول الصوت من حامل للذاكرة إلى ملصق توضيحي.


يتنقل الفيلم بين الألوان والأبيض والأسود دون نظام دلالي ثابت. في بعض اللحظات، يُستخدم الأبيض والأسود بوصفه مؤشرًا زمنيًا، ثم يتحول إلى تعبير نفسي، ثم فجأة تشعر أنه وُجد فقط ليجعل عمرو سعد أقرب شكليًا إلى جمال عبد الناصر ، هذا الانزلاق الدلالي يفقد الصورة قدرتها على إنتاج معنى، ويحولها إلى عنصر تجميلي منفصل عن السرد ، والأسوأ أن الفيلم نفسه يكسر قواعده ، في مشهد العزاء، على سبيل المثال، يتحول كل شيء فجأة إلى لقطات طويلة، حركة كاميرا شاعرية، إيقاع هادي، كأننا دخلنا فيلمًا آخر تمامًا، فيلمًا أفضل، لكنه لا ينتمي لما سبقه لمدة ساعة كاملة ، يطرح الفيلم لقطات “أرشيفية مُعاد تمثيلها”، وهنا يبرز سؤال جوهري، لماذا نعيد محاكاة لقطات أرشيفية موجودة بالفعل؟ ،النتيجة ليست إحياءً للماضي، بل صورة مصطنعة، تبدو كأنها مطلية بفلتر رقمي بدل أن نقترب من الحقيقة، نبتعد عنها خطوة إضافية، ونستبدل الذاكرة بصورة بلا روح، الأرشيف هنا لا يعمل بوصفه ذاكرة، بل بوصفه ديكورًا تاريخيًا.


الديكور في الست لا يعمل كفضاء حي، بل كواجهة عرض ،في كل كادر تقريبًا، هناك إحساس طاغٍ بأن ما نراه ليس مكانًا يمكن أن يُعاش فيه، بل بلاتوه جاهز، مؤقت، من النوع الذي تتوقع أن ينهار أو يتفكك إذا تحركت الكاميرا خطوة زائدة عن اللازم ،الجدران تبدو خفيفة أكثر من اللازم، المساحات نظيفة على نحو مريب، وكل شيء يصرخ بأنه “مُعد للتصوير” لا “موجود قبل التصوير” ،المشكلة الأساسية ليست في أن الديكور مصطنع، بل في أن الفيلم لا يعترف بهذا الاصطناع ولا يبني عليه ،نحن لسنا أمام فيلم تجريدي أو مسرحي، ولا أمام رؤية تحتفي بالتصنيع وتحوّله إلى موقف جمالي واعٍ، بل أمام فيلم يسعى ظاهريًا إلى الواقعية التاريخية، إلى استدعاء زمن بعينه، ثم ينسفه من الداخل بديكورات لا تحمل أي أثر للزمن الذي يُفترض أنها خرجت منه، لا خدوش، لا اهتراء، لا علامات استخدام أو عمر، لا تراكم للغبار أو الذكريات، كل شيء يلمع كما لو أنه خرج للتو من المصنع ،هذا اللمعان الدائم يحرم الصورة من أبسط مقومات المصداقية ،نحن لا نشعر بثقل السنوات، ولا بتغير العصور، ولا بأن هذه الأماكن شهدت حياة فعلية ،القصور، المكاتب، البيوت، الكواليس ، كلها تبدو كنسخ نموذجية، مصممة بعناية لكنها بلا روح، بلا تاريخ، بلا ذاكرة، الزمن في الفيلم يُقال لنا بالحوار والعناوين والمشاهد، لكنه لا يُرى في الجدران ولا يُلمس في التفاصيل ، وكان يمكن تجاوز هذا العيب لو كان هناك اتساق مع نوع الفيلم نفسه ، لو كان فيلمًا واعيًا بتصنعه، فيلمًا يحتفي بالاصطناع، أو يستخدم الديكور كقناع أو استعارة، لكان هذا الخيار مفهومًا وربما مثيرًا ، لكن الفيلم يريد في الوقت ذاته أن يكون حميميًا، تاريخيًا، إنسانيًا، وأن يقنعك بأنك ترى أم كلثوم في لحمها ودمها، لا في نسخة متحفية عنها ، هنا يتحول الديكور من اختيار جمالي إلى عبء، ومن خلفية صامتة إلى عنصر يفضح الزيف باستمرار.


الأخطر أن هذا الديكور اللامع يتسق تمامًا مع مشكلة أعمق في الفيلم: كل شيء يبدو جاهزًا أكثر من اللازم، من الشخصيات إلى الأداء إلى الصورة ، كأننا أمام عالم لم يُعش بما يكفي قبل أن يوضع أمام الكاميرا ،عالم بلا هشاشة، بلا خطر، بلا شعور بأن الحياة يمكن أن تخرج عن السيطرة ، لذلك يظل الإحساس مسيطرًا: نحن لا نزور زمنًا مضى، بل نتجول داخل بلاتوه أنيق، محكم الإضاءة، لكنه فارغ من الزمن ، الشخصيات في الفيلم تشبه الديكور: لامعة، جاهزة، وغريبة، حضورها مسطح إلى حد يثير الدهشة، كأن كل ممثل حضر من منزله، ارتدى ملابس الشخصية، ووقف أمام الكاميرا دون أن يقرأ سطرًا واحدًا عن من يؤديه ،أم كلثوم تُقدم بلا عائلة حقيقية:

الأم تظهر في البداية ثم تختفي بلا أثر ،الأخت بلا ملامح أو تاريخ.

العائلة التي يُفترض أنها شكلت الشخصية لا نعرف عنها شيئًا.

الجميع ثابتون في العمر، بلا إحساس بالزمن أو التغير، كأنهم مانيكانات في واجهة عرض ، الاستثناء الوحيد هو منى زكي، التي تتحمل وحدها عبء التغير، مما يفضح أكثر فكرة القوالب الجاهزة المفروضة على باقي الشخصيات، وهذا يضاعف أزمة اختيار منى زكي ، من اللقطة الأولى، نحن أمام وجه منى زكي، لا قريب ولا بعيد من وجه أم كلثوم ،ليس تشابهًا شكليًا فحسب، بل حضورًا طاغيًا لنجمة معاصرة، لا يذوب داخل الشخصية ،مهما بلغ اجتهاد منى، أزمة منى زكي ليست في الأداء التقني، بل في غياب المسافة التحويلية بين الممثلة والشخصية ،الفيلم لا يتيح للممثلة أن تختفي خلف الدور، لأن البناء كله قائم على التعريف لا التجسيد ،النتيجة شخصية مُعرفة، لا مُعاشة، و في النهاية هي جزء من منظومة، وعندما يختل جزء واحد في تركيبة بهذه الحساسية، ينهار البناء كله.


يحاول الفيلم تقديم أم كلثوم بوصفها “المرأة القوية”، ويكفي النظر  إلى اسم الفيلم نفسه ، هذا المدخل قد يكون جيدا ومعاصراً لتبني الحكاية ، لكن هذه القوة تُرسم بسطحية شديدة وبصورة معادة ومحفوظة عن شكل الشخصية النسوية القوية ، سيجارة وجمل مكتوبة بركاكة شديدة لتصبح أشبه بمنشورات قصف جبهات الفيسبوك ، تلك الركاكه في الكتابة ممتده في اكثر من مشهد و أذكر بالتحديد جمله لشخصية الدكتور حين يتحدث مع ام كلثوم في احد المشاهد ليستعيد الافيه الشهير " لا لياقتي ولا سني يسمحولي " ،  يتم اختزال النسوية في ردود مباشرة بدل أن تصبح نابعة من الفعل والسياق ،يحاول الفيلم تقديم أم كلثوم بوصفها امرأة قوية في مجتمع ذكوري، لكنه يفشل في تفكيك آليات هذا الصراع، فتتحول القوة إلى صفة ثابتة، لا مسارًا دراميًا .


 مشكلة الفيلم ليست في نواياه، بل في منهجه ، هو فيلم لا يثق في الصمت، ولا في المشاهد، ولا في الشخصية نفسها ،فيلم غارق في القطع، الموسيقى، العلامات التوضيحية، والاستعراض البصري، لكنه يفتقد أهم شيء: القلب.

هكذا ينتهي الفيلم كما بدأ: صورة كبيرة بلا عمق موازٍ لحجمها، عمل يخشى الفوضى، ويخشى الصمت، ويخشى الهشاشة، فيخرج نظيفًا أكثر من اللازم، آمنًا أكثر من اللازم، وبعيدًا أكثر من اللازم عن شخصية كان يمكن لفيلم عنها أن يكون خطرًا، مربكًا، وموجعًا. الست لا يسقط لأنه سيئ الصنع، بل لأنه يختار الطريق الأسهل في مواجهة واحدة من أعقد الشخصيات في تاريخنا الثقافي ، أم كلثوم لم تكن مجرد سلسلة محطات، ولا أيقونة تُستدعى بالأسود والأبيض والموسيقى العالية ، كانت لغزًا إنسانيًا، صوتًا خرج من سياق اجتماعي معقد، وامرأة تفاوضت مع السلطة، والجمهور، وجسدها، وصورتها ، هذا كله غائب وما تبقى هو فيلم مصقول من الخارج، فارغ من الداخل، كأنه يلمع كثيرًا ليخفي فراغه .

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia