سينما بلا بطل: بول توماس أندرسون منقذ هوليوود الخفي
في زمن خنقت فيه هوليوود السينما داخل فردانية النجم وتوحش السوق، يبدو بول توماس أندرسون دون ادعاء أو استعراض كأحد أهم منقذي السينما الأميركية، لا لأنه يقدم بطلاً جديدًا، بل لأنه يحرر السينما نفسها من الحاجة إلى الأبطال..
لا تظهر أفلام بول توماس أندرسون بوصفها حكايات عن الشخصيات، بل بوصفها رسائل اجتماعية عن القوى التي تصنع هذه الشخصيات، وتدفعها، وتعيد تشكيلها ، فكما فعل في Boogie Nights وMagnolia، يعود هنا في اخر افلامه معركة تلو الأخري إلى تفكيك مركزية الفرد، ولكن هذه المرة بحدة أكثر وضوحًا: ليست هناك بطولة فردية أصلًا، ليس هناك “توم كروز” يمكن أن يحمل الفيلم على كتفيه ،حتى حين يحضر ليوناردو دي كابريو، واحد من آخر نجوم هوليوود التقليديين، لا يُعامل كقطب للمعنى، بل كجزء من منظومة، حضوره يمكن أن يتساوى مع شون بين، وربما يتفوق الأخير تأثيرًا، لأن الفيلم لا يملك بطلًا، بل يملك شبكة ، أندرسون لا يحذف مركزية البطل كي يصنع شكلًا جديدًا، بل كي يفضح ما لا يُرى ،فغياب "البطل" ليس غيابًا تقنيًا، بل موقفًا فكريًا وجماليًا ضد فردنة السلطة وضد التخيل الأخلاقي الفردي في السينما ،يتحول الممثل هنا إلى مادة خام داخل شبكة السلطة ، لا وجود للبطولة داخل الأداء، بل وجود لوظيفة ، أندرسون لا يستخرج أفضل ما في ممثليه فقط، بل يضعهم داخل فخ اجتماعي ، لا يترك لهم فرصة للنجاة بشخصيتهم، لأن الشخصية لا تملك قرارًا، بل تبدو مالكًا وهميًا لذاتها ، لا يقاتل بول توماس أندرسون فكرة البطل لأنه يكره النجومية، بل لأنه يشكك في أخلاقها، يشكك في الإدعاء بأن فردًا يمكن أن يغير مجتمعًا، أو أن نجمًا يمكن أن يلخص كل شيء ، تتجسد هذه الرؤية في نهاية الفيلم حيث نري ان ليوناردو بشخصية بوب لم يفعل شئ واحد طول الفيلم فهو لم ينقذ بنته ، في النهاية الفتاة من أنقذت نفسها .
لا تُكتب الشخصيات في سينما أندرسون لتُبنى نفسياً أو تُستدر عاطفيًا، بل تُكتب كي تحتل موقعًا وظيفيًا داخل الفكرة الأساسية. فالشخصيات لا تحمل الفيلم، بل تُسهم فيه. كل شخصية تمتلك دورًا محددًا داخل المنظومة، تمامًا كما في أي مجتمع: هناك من يملك السلطة، ومن يستسلم لها، ومن يعتقد بامتلاكها بينما هو مجرد انعكاس لها ، بهذه الكتابة، يتحول النص السينمائي من حكاية تُروى داخل فرد، إلى شبكة علاقات تكشف آليات السلطة، وتعرّي أخلاق النجومية، وتُسائل معنى البطولة نفسه ، أحد أهم سمات أندرسون هو أنه لا يخرج ممثلًا ليصبح نجمًا، بل ليصبح مادة خام داخل منظومة. حين نتذكر أداءات دانيال داي لويس، فليب سيمور هوفمان، جوليان مور، آدم ساندلر، سنلاحظ أن القيمة ليست في “عبقرية الفرد”، بل في تماهي الفرد مع شبكة السلطة والدوافع والصراع ،أندرسون ينحت شخصية اجتماعية متكاملة ، لا نفسية فقط .
يُعيد أندرسون في هذا الفيلم استخدام المونتاج المتوازي، بعد أن ظل غائبًا عن أعماله فترةً، وإن كان قد أثبت قيمته مبكرًا في Boogie Nights وMagnolia. غير أن العودة إليه هنا ليست مجرد خيار جمالي، بل خيار فكري؛ فالمونتاج يوزّع معنى الفيلم عبر عدة خطوط سردية متداخلة، بحيث تهدم تقاطعات الأحداث مركزية أي شخصية ، المونتاج لا يقدم مقارنة درامية فحسب، بل يُظهر ترابط مصائر الشخصيات داخل شبكة واحدة من القوى، ويجعل الحدث نفسه أقوى من الفرد الذي يعيش بداخله ، وهكذا يتسع الفيلم أخلاقيًا وفكريًا خارج قدرة ممثل واحد على حمله.
لا يعود المونتاج وحده سببًا في تفتيت مركزية البطل، بل في بناء إيقاعٍ محكوم بمنطق شبكة العلاقات نفسها ، إيقاع الفيلم هنا ليس سرعة أو بطءًا بالمعنى التقليدي، بل توزيعًا للأنفاس بين شخصيات تتناوب على حمل المشهد دون أن تحمل الفيلم ذاته، إن أندرسون يطبخ الإيقاع كما يريد علي نار هادئة ،كل لحظة مشحونة بقدرٍ محدد من التوتر، دون إفراط ودون انفلات، وكأن الفيلم لا يسمح لحركةٍ أن تأخذ أكثر مما تستحق، ولا يمنح شخصية لوحدها إيقاعًا مركزيًا ، هذا الإيقاع يعمل كمنظّم لجريان السلطة داخل الأحداث، فلا يمكن أن تمل، لأنك لا تتابع شخصًا، بل تتابع حركة القوى التي تبتلع الشخص وتقذفه من مكان لآخر ، الإيقاع هنا ليس إمتاعًا سرديًا فقط، بل أداة أخلاقية ترفض منح أي فرد زمنًا بطوليًا أو مساحة تُكسبه تفوقًا دراميًا.
هذه القدرة على التحكم في الإيقاع تجعل بول توماس أندرسون مخرجًا قادرًا في كل فيلم على تغيير جلده دون أن يغير روحه. ليس لأن أساليبه تتبدل فحسب، بل لأنه يعرف كيف يطوع الزمن وفق الفكرة التي يريد تفجيرها ، في كل مرة يبدو وكأنه يدخل مختبرًا جديدًا لصياغة الإيقاع ، القدرة على الإمساك بإيقاع كل عالم دون أن يكرر نفسه تُثبت أن أندرسون لا “يمتلك أسلوبًا” بالمعنى التقليدي، بل يمتلك موقفًا يجبر الأسلوب على أن يتغير.
Comments
Post a Comment