من محاكاة التاريخ إلى استهلاك الرموز: تارنتينو وثقافة الوعي المفرغ

يبدو كوينتن تارنتينو، في كل مرة، كمنتج أمريكي خالص ليس فقط ابن الصناعة الهوليوودية، بل ابن ثقافة بُنيت على استهلاك الصورة،وإعادة تدوير المرجعيات البصرية من دون تأسيس خطاب معرفي، وتحويل الاستفزاز إلى سلعة تجارية ذات طابع فني ، هو نتاج واضح لثقافة السينما في أمريكا، تلك التي تقدم نفسها باعتبارها المركز، وترى العالم بوصفه حكايات يمكن استغلالها وتقطيعها وإعادة توليفها لإثارة الجمهور ، لا أدوات للتفكير.

لا يمكن إنكار أثر تارنتينو على المستوى الصناعي إيقاع سريع، كتابة تعتمد على الحوار كسلاح ممتع، عنف بوصفه كوميديا سوداء، وإشارات مستمرة لثقافة البوب كأن السينما مجرد ألبوم ذكريات مشوه ، لكن الأثر الحقيقي لتارنتينو ليس في تطوير لغة السينما بقدر ما هو في تثبيت النموذج الأمريكي لفكرة المخرج النجم: ذلك الذي يصنع صدمة فيصبح أيقونة، بغض النظر عن قيمتها المعرفية أو الأخلاقية.

على الرغم من امتلاك تارنتينو ثقافة سينمائية واسعة، فإن هذه الثقافة تبدو في حدود “الاقتباس الاستعراضي”، لا في حدود الوعي بوظيفة الصورة في التاريخ والمجتمع ، هنا يبرز تعليق جان لوك جودار بوصفه مدخلًا لقراءة هذا العجز ، فقد سخر من قيام تارنتينو بإطلاق اسم A Band Apart على شركته اقتباسًا من فيلمه Bande à part، قائلاً إنّ هذا التكريم كان سيكون أكثر صدقًا لو تم دفع ثمنه، في إشارة نقدية إلى أن نقل الرموز عند تارنتينو يتم عبر الاستهلاك لا التأويل ، هذا الموقف الذي عبر عنه جودار خلال أكثر من مناسبة، لا يهاجم الشكل الجمالي لتارنتينو، بل يعيب غياب الأصالة وافتقاد أعماله لما سماه جودار الصدق الفني، حين وصف Pulp Fiction بأنه غير أصيل، لأنه يعيد دمج التاريخ بوصفه تبضيعًا لا تفكيرًا ، بذلك يتحول رأي جودار إلى تشخيص نظري يكشف أن ثقافة تارنتينو ليست إنتاجًا معرفيًا بل إعادة استعمال ترفيهي للتاريخ.

السينما ليست فقط أداة فنية، بل نتاج وعي اجتماعي وفلسفي وهنا يظهر العجز الحقيقي عند تارنتينو ،ثقافة سينمائية واسعة ولكن يقابلها وعي صفري تقريبًا تجاه العالم، تجاه الشعوب، وتجاه التاريخ ، تتجسد هذه الفجوة عندما يتحول المخرج صاحب الخيال المتفجر إلى مواطن أبيض عادي، يعيد إنتاج مركزية أمريكية رخيصة ورؤية مُنحازة للاستعمار، وتصل إلى أقصى تجلياتها في دعمه العلني لحرب الإبادة على فلسطين، وتبريره للقتل بوصفه دفاعًا غربيًا عن الحضارة .

هنا نكتشف أن الاشتباك مع التاريخ في أفلامه ،  النازية في Inglorious Basterds أو العبودية في Django Unchained  ليس محاولة لفهم الماضي، بل محاولة لتسلية الجمهور عبر قتل رمزي يعوض فشل العدالة الحقيقية، ويحول القضايا إلى ألعاب للمشاهده.
تارنتينو لا يحتاج أن يكون رجل بروبوغاندا سياسي مباشر ، يكفي أنه يصنع سينما تستهلك التاريخ دون أن تؤمن بحق الضحايا في العالم الواقعي ، هوليوود دائمًا ما صنعت أبطالًا يحاربون الشر في الشاشة، بينما تدعم الشر الحقيقي خارجها، في هذا السياق يصبح تارنتينو نموذجًا مثاليًا للمبدع الذي يبيع العنف بوصفه ثقافة، ويبيع الخيال بوصفه انتقامًا لا يعيد للعدالة قيمتها، بل يفرغها من معناها.

لا يمكن فصل السينما عن أصحابها، ولا عن رؤيتهم للعالم ، قد نحتفي بمهارة تارنتينو شكليًا، لكننا لا نستطيع تجاهل هشاشة وعيه، وتفاهة موقفه السياسي، وتعاطيه مع القضايا بوصفها فرجة، فالمخرج الذي يبرر القتل خارج الشاشة لا يحق له أن يبيع العدالة الوهمية داخلها.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia