احتراق الصورة: سقوط اليقين الأخير

يبدأ فيلم احتراق الصورة بكشف واضح وصريح لعزلة راشد ، رجل قصير القامة، تكوينه التشريحي صدامي بعض الشيء، ليس فقط لأنه مختلف، بل لأن الكاميرا تدرك ذلك جيدًا وتتعامل معه باعتباره كتلة محاصرة داخل عالمها ، يجلس أمام طاولة، دون أي إضافات درامية مفتعلة، لكن شعور الوحدة يتسلل إليك مباشرة كمشاهد ، هنا تظهر اختيارات المخرج الحقيقية ، فهو لا يستخدم جسد بطله كوسيلة للشفقة أو الإدهاش البصري، بل كامتداد لحالة داخلية كاملة ،تمتد التركيبة في اختيار ديانة البطل حيث يبدو فعلا مقصودًا بعناية ، راشد رجل مسيحي يعيش وحيدًا، وكل ما حوله يوحي بأن العالم قد غادره تدريجيًا ، تشعر بثقل فكرة الهجرة قبل أن تُقال صراحة، ثم تتأكد عندما نعلم بسفر ابنته إلى باريس ، الفيلم لا يشرح ذلك بشكل مباشر أو ميلودرامي، لكنه يتركك تربط التفاصيل ببعضها: بيت فارغ، رجل متروك، وابنة لم تفكر حتى في العودة إليه ليلة رأس السنة ، الوحدة هنا وحدة جيل كامل تُرك خلف الآخرين.

وعلى النقيض تمامًا يدخل حضور نورا فتاة شابة بجسد مثالي، نسمع صوتها أولًا وهي تنزل من عند الجار ثم تذهب للصيدلية لشراء واقٍ ذكري ، تفاصيل صغيرة لكنها تكشف الكثير عن شخصيتها قبل أن نراها بوضوح ، تبدو من ملابسها وطريقتها وكأنها مستعدة للقفز من الحافة إذا شعرت بالرغبة في ذلك ، شخصية تتحرك بدافع الرغبة وحدها، دون حسابات أخلاقية أو اجتماعية واضحة ،لذلك لم أر نورا كفتاة ليل بقدر ما رأيتها كشخص يفعل ما يريد فقط لأنه يريد فعله، وهي نقطة شديدة الأهمية في فهم علاقتها براشد.

راشد نفسه لا يأخذ وقتًا طويلًا حتى يكشف عن فضوله وخبثه الصغير ، نكتشف سريعًا أنه يراقب من يدخل ومن يخرج، وأنه مدرس سابق، وهي تفصيلة ليست عابرة إطلاقًا ، السلطة التربوية القديمة لا تزال عالقة داخله، وكأن الرجل الذي فقد كل شيء يحاول استعادة أي شكل من أشكال السيطرة على العالم ، ربما لهذا السبب هربت ابنته أصلًا ،وربما لهذا السبب أيضًا ينجذب إلى نورا، أو بالأدق يحاول أن يمارس عليها دورًا ما، دور المعلم أو الرقيب أو الأب البديل، قبل أن يكتشف تدريجيًا أنه أمام شخصية لا يمكن إخضاعها أصلًا.

قد يعيب الفيلم أحيانًا شكل التصميم الإنتاجي داخل المنزل، إذ تبدو بعض التفاصيل أقل حيوية مما تحتاجه الحالة النفسية للشخصية، لكن المثير أن أحجام اللقطات كانت دائمًا تحاول تقليص أثر ذلك قدر الإمكان ، الكاميرا واعية بحدود المكان، فتضغط عليه أكثر، وتحوله إلى مساحة خانقة بدلًا من أن تحاول تجميله ، حتى الزوايا نفسها كانت دومًا تميل لخلخلة التوازن داخل الكادر، كأن الشخصيات لا تجد وضعًا مريحًا تستقر فيه ، مدعوما بالطبع بأبعاد الفريم المختارة وهي 4×3 مربع يشبه نفس الحدود العالق فيها شخصياته ، وقرار إستخدام الأبيض والأسود الذي يعبر بشكل واضح وصريح  عن منظور بطلي الفيلم في ليلة رأس السنة التي علي النقيض من باقي العالم هي ليلة معتمه بالنسبة لهم .
المبارزة الحوارية بين الشخصيتين كانت دائمًا ترفع سقف الإيقاع، لكن الأهم ان كل مواجهة كلامية كان يتبعها قرار إخراجي واضح يغير توزيع الكتل داخل الكادر، أو يهز الزوايا، أو يعيد تعريف المسافات بين الشخصيتين ، الحوار هنا لا ينتهي بفائز أو خاسر، بل ينتهي بتغيير حقيقي في الخط الدرامي للشخصيات، وهو ما يعيدنا إلى أبسط وأهم قواعد السيناريو: أن يخرج الشخص من المشهد مختلفًا عما دخله.

 قرب النهاية يعتمد الفيلم على صورة فوتوغرافية لتوضيح العلاقة بين راشد ونورا، الصورة غير واضحة تمامًا نتيجة لمشكلة تقنية في تصميمها رغم تكرارها مرتين  ، وهي واحدة من المشاكل التي واجهتني في تلقيها او محاولة قراءتها ، لكن يأتي فعل نورا بإسقاط الصورة التي تجمع راشد مجموعة من طالباته في سن أصغر، ليصبح الفعل أهم من الصورة ذاتها ، فجأة الماضي كله سقط : صورة المدرس، صورة السلطة، وصورة الرجل الذي ظن يومًا أنه يمتلك يقينًا أخلاقيًا تجاه العالم.

لا يمكن تجاهل أداء أنجيلا فادي في دور نورا، أداء يحمل قدرًا كبيرًا من الجرأة والسيولة دون أن يسقط في الاستعراض ، كانت تتحرك داخل الشخصية بخفة شديدة، كأنها لا “تمثل” بقدر ما تعيش لحظاتها بشكل عابر وطبيعي، وهو ما جعل نورا تبدو غير قابلة للتوقع طوال الوقت ، تمتلك أنجيلا قدرة مهمة على تبديل الإحساس داخل الجملة نفسها، بين السخرية والهشاشة واللامبالاة، دون إشارات تمثيلية حادة أو مباشرة ، والأهم أنها لم تتعامل مع الشخصية باعتبارها رمزًا أو فكرة، لكن كإنسانة كاملة التناقضات ، لذلك كانت المواجهات بينها وبين راشد حقيقية وحادة، لأن الأداء نفسه لم يكن يسعى للانتصار على الطرف الآخر ولكن لفهمه أو اختباره أحيانًا.

في النهاية تتغير نورا فعلًا، ولو للحظة قصيرة جدًا، وتتراجع عن قرار دخول شقة الجار في مشهد ختامي بالغ الحساسية، بينما يصطدم راشد بحقيقة أكثر قسوة: أن “تلميذته” الجديدة تمثل كل ما عاش عمره ضده ، وهنا يصبح إحتراق الصورة ليس احتراقًا لصورة فوتوغرافية فقط، بل احتراقًا لصورة الإنسان عن نفسه، عن سلطته، وعن يقينه القديم بالعالم.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia