عودة إلى المسرح نفسه : أشباح مونديال 1994


لماذا نتذكر السقوط أكثر من الانتصار؟


بينما تستضيف الولايات المتحدة كأس العالم من جديد، يعود شبح نسخة 1994 ليطل على الذاكرة ، ليس لأنها كانت البطولة الأكثر جمالًا أو الأكثر تهديفًا، بل لأنها ربما كانت أكثر نسخ المونديال اقترابًا من التراجيديا الإغريقية، ففي صيف واحد اجتمعت حكايات السقوط والبطولة والعقاب والقدر بصورة يصعب أن تتكرر، كرة القدم في جوهرها هي مسرح هائل للغضب والأمل والرغبة في الانتصار، لكنها أحيانًا تتجاوز كونها مساحة لتفريغ المشاعر اللحظية لتصبح شيئًا أقرب إلى التراجيديا، لهذا لا نتذكر معظم المباريات، بينما تبقى لحظات محددة محفورة في الذاكرة الجمعية لعقود طويلة، كما بقيت الأساطير الإغريقية حية لآلاف السنين.

لو سألنا أي مشجع حضر كاس العالم 94 عن ذكرياته ، ربما ينسى نتائج المباريات أو أسماء الهدافين، لكنه يتذكر وجه روبرتو باجيو بعد إضاعته ركلة الترجيح، أو مارادونا وهو يطرد من بعد ثبوت تعاطيه المنشطات ، الذاكرة لا تحفظ الوقائع بقدر ما تحفظ الدراما ، وما يجعل كرة القدم قريبة من الأساطير ليس حجم شعبيتها، بل قدرتها على إنتاج شخصيات وحكايات تتجاوز حدود الرياضة نفسها.

البطل التراجيدي في الملعب

رأى أرسطو أن التراجيديا لا تتحدث عن أشخاص عاديين، بل عن أبطال يملكون صفات استثنائية، ثم يقودهم خطأ ما أو عيب داخلي إلى السقوط ، لا يكون البطل شريرًا بالكامل ولا بريئًا بالكامل، لكنه يحمل صفات إنسانية بما يكفي لنرى أنفسنا فيه ، وكرة القدم تعيد إنتاج هذا النموذج باستمرار.

فاللاعب العظيم يتحول إلي اسطورة بسبب اللحظة التي يفشل فيها أمام أعين الملايين، الجماهير لا تتعاطف مع الكمال،لكن تتعاطف مع هشاشته، لهذا تبدو المأساة أكثر رسوخًا في الذاكرة من الانتصار، البطولة تنتهي برفع الكأس، أما التراجيديا فتظل مفتوحة على التأويل.

روبرتو باجيو وإيكاروس: الاقتراب المميت من الشمس

كاس العالم 1994 روبرتو باجيو يفعل المستحيل ليقود منتخب بلاده إلي نهائي كأس العالم ، لكننا لا نتذكركل ذلك ، لا نتذكر تمريراته أو مراوغاته بقدر ما نتذكر ركلة الجزاء التي ارتفعت فوق العارضة ، كان باجيو قد حمل المنتخب الإيطالي طوال البطولة، وقاده تقريبًا بمفرده إلى النهائي ،حتي بدا وكأنه رجل يسحب أمة كاملة خلفه ، كان يفصله عن الخلود تسديد كرة واحدة، خطوة أخيرة نحو السماء، لكنه سقط في اللحظة التي اقترب فيها من المجد الكامل .

ليبدو هنا كإيكاروس الذي حلق عاليًا بأجنحته الشمعية، متجاوزًا حدود البشر، قبل أن يسقط لأن اقترابه من الشمس كان أكبر مما ينبغي ، فلم تكن مأساة باجيو أنه فشل، بل أنه اقترب كثيرًا من النجاح ، ربما لهذا السبب لا يزال الناس يتذكرون الركلة الضائعة أكثر من البرازيل التي فازت بالكأس، فالتراجيديا دائمًا أكثر قدرة على البقاء من النهايات السعيدة.

مارادونا وبروميثيوس: سرقة النار من الآلهة

لقد سجل هدف بيده انتقاما لشعب الارجنتين المقموع من قبل الامبرالين في جزر مالفيناس ، لقد اهانهم !!

تلك كانت جمله من احد شخصيات فيلم يد الإله لمعشوق ماردونا الاول المخرج باولو سورينتينو

ما هو اول شيء يخطر ببال الشخص عند ذكر اسم ماردونا ؟ اجل هدفه الشهير في مرمي انجلترا بيده "يد الإله " 1986، لم يكن الأمر يتعلق بهدف غير شرعي بقدر ما كان يتعلق بالمعنى الذي اكتسبه لاحقًا، فبعد حرب الفوكلاند لم يعد الهدف مجرد مخالفة تحكيمية في نظر قطاع واسع من الأرجنتينيين، بل تحول إلى فعل رمزي ، لحظة انتزع فيها الضعيف انتصارًا من قوة أكبر منه.

مثل ببروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة ومنحها للبشر ارتكب مارادونا فعلًا محرمًا، لكنه اكتسب شرعيته من الجماهير لا من القانون ، لكن التراجيديا لا تكتمل دون العقاب ، بعد سنوات قليلة عادت النار لتحرق صاحبها ، بدأت أسطورة مارادونا تأكل نفسها، الإدمان، الأزمات الصحية، ثم الطرد من كأس العالم 1994 بسبب المنشطات، الصورة الشهيرة له وهو يُقاد خارج الملعب تبدو وكأنها نهاية بطل إغريقي تحدى الآلهة طويلًا قبل أن تطاله اللعنة أخيرًا ، تماماَ مثل ببروميثيوس عندما حكمت عليه الالهه بان يربط بالسلاسل في صخره ويأتي كل يوم نسر ليتغذي علي كبده الذي يتجدد كل ليلة ..

أندريس إسكوبار: حين يصبح القدر أكثر وحشية من الخطأ

في معظم القصص الرياضية يكون هناك خطأ واضح يمكن الإشارة إليه، قرار سيئ، لحظة غضب، أو نزوة غرور، أما في قصة إسكوبار فلا يبدو أن هناك مذنبًا بالمعنى التقليدي.

دخلت كولومبيا كأس العالم 1994 محاطة بتوقعات هائلة، كان المنتخب قد هزم الأرجنتين بخمسة أهداف نظيفة في بوينس آيرس، ورأى فيه كثيرون أحد المرشحين للمنافسة على اللقب، بدا المستقبل مفتوحًا أمام جيل ذهبي كامل، لكن التراجيديا، كما عرفها الإغريق، تبدأ غالبًا في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء ممكنًا.

وأمام الولايات المتحدة، ارتطمت كرة بإسكوبار لتدخل مرمي بلاده ، مجرد حادث عابر يتكرر في كرة القدم كل موسم ،لقطة لا تحمل أي نية أو خطأ أخلاقي أو حتى تقصيرًا واضحًا، ومع ذلك تحولت تلك الثواني القليلة إلى نقطة فاصلة في حياة رجل كامل.

المفارقة أن إسكوبار لم يكن لاعبًا مثيرًا للجدل أو شخصية صاخبة ،على العكس تمامًا ،كان معروفًا بهدوئه وانضباطه واحترامه داخل وخارج الملعب ،لم يكن يشبه الأبطال المتمردين الذين تملأ قصصهم الصحف، وربما لهذا تبدو حكايته أكثر قسوة ، فالتراجيديا الحقيقية لا تصيب دائمًا من يستحقها، بل أحيانًا أولئك الذين لا يستحقونها إطلاقًا.

بعد خروج كولومبيا من البطولة عاد إسكوبار إلى بلاده ، وبعد أيام قليلة فقط قُتل بالرصاص في أحد شوارع ميديلين ، فجأة تحول الهدف العكسي إلي جزء من سردية أكثر ظلامًا عن العنف والضغط والهوس الذي يمكن أن تولده كرة القدم حين تختلط بالمال والسلطة والغضب الجماعي.

هنا قد تصبح المقارنة مع أوديب أكثر وضوحًا ، أوديب لم يكن شريرًا، ومع ذلك انتهى إلى مصير مروع ، وإسكوبار لم يخن بلاده، ولم يتعمد شيئًا، ولم يرتكب فعلًا يستدعي حتى اللوم، لكن القدر اختاره ليحمل عبء هزيمة أمة كاملة.

ولهذا يصعب النظر إلى قصته باعتبارها مجرد حادثة رياضية، إنها تذكير مرعب بأن كرة القدم، رغم كونها لعبة، قادرة أحيانًا على كشف أكثر الجوانب ظلمة في المجتمعات التي تحيط بها، ففي اللحظة التي يُختزل فيها إنسان كامل في خطأ واحد، تتحول الرياضة من مساحة للمتعة إلى محكمة جماعية لا تعرف الرحمة ، وربما لهذا السبب تبقى قصة إسكوبار حاضرة بعد أكثر من ثلاثة عقود، لأنها واحدة من اللحظات النادرة التي خرجت فيها التراجيديا من حدود الملعب لتبتلع بطلها بالكامل ، وكأن القدر الذي كان الإغريق يمنحونه أسماء الآلهة، ظهر هذه المرة في هيئة كرة ضلت طريقها إلى الشباك.

لماذا نحب المآسي الرياضية؟

ربما لأن كرة القدم تمنحنا نسخة آمنة من المأساة.

في الحياة الواقعية تكون الأخطاء مكلفة ومؤلمة، أما في الملعب فنشاهد الصراع من بعيد، نرى أحلامًا تنهار وطموحات تتحطم، لكننا نخرج في النهاية إلى حياتنا الطبيعية ، تماماَ مثل المسرح والسينما ، إنها تؤدي الوظيفة نفسها التي تحدث عنها أرسطو قبل أكثر من ألفي عام: التطهير.

نبكي مع البطل، نخاف عليه، ثم نغادر وقد تخلصنا مؤقتًا من جزء من مخاوفنا الخاصة، لهذا تتحول المباريات الكبرى إلى طقوس جماعية تشبه حضور عرض مسرحي ضخم ، المدرجات تؤدي دور الجوقة الإغريقية، واللاعبون يؤدون أدوار الأبطال، والحكم يبدو أحيانًا كأنه ممثل للقدر نفسه، يقرر مصائر كاملة بصفارة واحدة.

الإغريق كانوا يؤمنون بأن الإنسان مهما بلغ من القوة سيظل عاجزًا أمام القدر، أما كرة القدم فتذكرنا بالأمر نفسه كل أسبوع، تسديدة واحدة، خطأ واحد، لحظة غضب واحدة، يمكن أن تعيد كتابة قصة كاملة.

ربما لهذا السبب لا نكتفي بمشاهدة كرة القدم، بل نحكيها ونستعيدها ونورثها للأجيال التالية، لأنها ليست مجرد لعبة تُلعب على العشب، بل سلسلة لا تنتهي من المآسي والأساطير الحديثة.

بعد اثنين وثلاثين عامًا يعود كأس العالم إلى الولايات المتحدة، ستولد أساطير جديدة بلا شك، وسيظهر أبطال جدد، لكن من الصعب أن تمر بطولة كاملة وتترك خلفها هذا العدد من الحكايات التراجيدية كما فعلت نسخة 1994،  فالبطولات تمنحنا أبطالًا، أما المآسي فتصنع الذاكرة.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia