لماذا بدي فوز الأرجنتين وكأنه النهاية الوحيدة الممكنة؟

كرة القدم نفسها لم تعد تُقدم لنا بنفس الطريقة التي اعتدناها ، فما نشاهده اليوم أقرب إلى صناعة سرديات عملاقة تتداخل فيها الإعلانات، وحقوق البث، ومنصات التواصل، والنجوم العالميون، حتى تبدو البطولة أحيانًا وكأنها تبحث عن قصتها المثالية المكتوبة بعناية شديدة .

كل قصة تحتاج إلى  توزيع بسيط للأدوار، بطل وخصم وعقبات وطريق طويل نحو الهدف الذهبي ، ومن هنا قد يصبح استمرار ميسي داخل البطولة ضرورة سردية ، لأن وعينا أصبح عاجزًا عن رؤية البطولة خارج هذه الحبكة.

ميسي أكثر من لاعب ، إنه الشخصية الرئيسية الأخيرة ، خرج نيمار، وغادر رونالدو المشهد، وتبخرت معظم الشخصيات القادرة على حمل البطولة بصريًا وتسويقيًا، أما مبابي، فرغم موهبته الهائلة، لا يزال يؤدي دورًا مختلفًا داخل المخيلة الجماعية ، فهو الخصم الذي يمنح هذا البطل معناه.
لذلك الجماهير تدخل المباراة وهي تحمل نهاية مفضلة مسبقًا ولذلك أيضاً لم يكن غريبًا أن يتعامل البعض مع فوز الأرجنتين كما لو كان نتيجة طبيعية، أو حتى ضرورية، لاستمرار السردية التي يعيشها ميسي منذ سنوات  ، فلا يتعلق الأمر بحب لاعب كرة قدم فحسب ، فمعظم من انحازوا لميسي لا يعرفون سوي صورة عنه ، صورة تراكمت عبر عقدين من الأهداف، والإعلانات، والمقابلات، والأفلام الوثائقية، ومقاطع التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، يظل الواقع السياسي حاضرًا على الهامش، قبل المباراة تحدث حسام حسن عن فلسطين، لكن هذا النوع من الخطابات لا يحظى بالمساحة نفسها التي تحظى بها صور النجوم  ، فصناعة كرة القدم العالمية لا تتغذى على القضايا المعقدة بقدر ما تتغذى على الشخصيات القابلة للتسويق، القضية تثير الجدل، أما النجم فيجذب الانتباه ويبيع التذاكر والقمصان وحقوق البث ويمنح البطولة وجهًا يمكن اختزاله في صورة واحدة.

الصورة هنا لا تمثل اللاعب، بل تستبدله ، تصبح أكثر حضورًا من الواقع نفسه ، وبينما يظهر المنتخب الوطني في مناسبات متباعدة، تستمر صورة ميسي في الظهور يوميًا، حتى تصبح جزءًا من الحياة العاطفية للمشاهد، ولهذا قد يصبح الانتماء يُبنى بشكل ما على كثافة التعرض البصري.

حين تعاد مشاهدة أهداف ميسي ملايين المرات، وحين تتحول صورته إلى سلعة عالمية تتنقل بين الإعلانات والأفلام الوثائقية والألعاب الإلكترونية، يصبح خروجه المبكر أشبه بانقطاع الفيلم قبل مشاهده الأخيرة ، لا يخسر اللاعب وحده، لكن كذلك تخسر الصناعة كلها الشخصية الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

ولم يكن ذلك منفصلًا عن السياق الأوسع للبطولة نفسها، ففي الوقت الذي تُقدم فيه كرة القدم باعتبارها احتفالًا عالميًا بالإنسانية والتنوع، يظل العالم خارج الملعب ممتلئًا بالتوترات السياسية والعنصرية والتمييز ضد المهاجرين والقادمين من الجنوب العالمي، لكن هذه التناقضات نادرًا ما تجد مكانًا داخل السردية الرسمية للبطولة، لأن السردية تحتاج إلى شخصيات واضحة وحكايات سهلة التداول، بينما الواقع أكثر فوضى وتعقيدًا من أن يتحول إلى منتج ترفيهي ناجح.
لهذا بدا تشجيع بعض المصريين لميسي ضد منتخبهم مفهومًا داخل منطق الصورة،  فهم كانوا يدافعون عن استمرارية القصة كانوا يريدون مشاهدة الحلقة التالية ، وحين خسرت مصر أمامه  في مباراة درامية، بدا وكأن كثيرين لم يشاهدوا تسعين دقيقة من كرة القدم، بل الفصل التالي من قصة طويلة اسمها ميسي ، لتتحول فجأة المبارة بعد انتهائها الي شعور بأن الأحداث كانت تسير وفقl حبكة معدة سلفًا: ميسي يتقدم، مصر تعود، ثم ينتصر ميسي في النهاية ليواصل رحلته.

هذا الإحساس لا يقول شيئًا عن المباراة بقدر ما يقول شيئًا عن وعينا المعاصر، حيث نعيش وسط صناعة ترفيه ضخمة علمتنا أن نفهم العالم من خلال السرديات وحين تصبح صورة اللاعب أكبر من اللعبة نفسها، يبدأ الواقع في الظهور كأنه حلقة جديدة من مسلسل طويل.
في النهاية، لا تنتصر السردية لأنها حقيقية، بل لأنها الأكثر حضورًا ، وما دامت الصورة قادرة على إعادة إنتاج نفسها كل يوم، فستظل تملك القدرة على دفع الواقع إلى الخلفية، حتى يبدو العالم كله وكأنه مكتوب مسبقًا لخدمة المشهد التالي.

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia