حياة أخرى للصور: فلسفة الاقتباس الفني

“الفنان الجيد يقلد، أما الفنان العظيم فيسرق.”
جملة شهيرة تُنسب إلى بيكاسو، وعلي مدار السنوات تحولت هذه العبارة إلى ما يشبه “الرخصة الأخلاقية” لكل أشكال الإقتباس الممكنة، حتى أن كثيرًا من الفنانين يرددونها دون التوقف طويلًا أمام معناها الحقيقي، كأنها مجرد تصريح مفتوح بإعادة الاستخدام أو إعادة التدويرِ، لكن المشكلة أن معظم من يرددون المقولة يتعاملون مع السرقة بإعتبارها فعل نقل، بينما السرقة الفنية الحقيقية ليست نقلًا بالأساس، لكنها إعادة امتلاك للمعنى بعد تفكيكه وهضمه وإعادة تركيبه داخل وعي جديد.
 
ربما لهذا تبدو عبارة جيم جارموش أكثر دقة حين يقول:
“لا شيء أصلي ، اسرق من أي مكان يثير الإلهام أو يغذي خيالك… إلتهم الأفلام القديمة والجديدة، الموسيقى، الكتب، اللوحات، القصائد، الأحلام ..."
فجارموش لا يتحدث هنا عن الاقتباس باعتباره استعارة شكلية، لكن باعتباره فعل إلتهام والفارق بين “الاستعارة” و”الإلتهام” هائل للغاية، لأن ما يتم إلتهامه لا يخرج كما دخل، لكنه يتحلل داخل الجسد، يتحول إلى جزء من تكوينه، يفقد شكله الأول ليكتسب حياة جديدة.

 لا يكفي مجرد الإعجاب بالعمل بحد ذاته لكي نقتبس منه  ، 
هناك أعمال فنية لا تتركك بعد مشاهدتها، تبقى عالقة داخلك ، كسؤال مفتوح، كجرح غير مفهوم، تشعر أن الصورة تعرف عنك شيئًا لم تكن تعرفه أنت عن نفسك، ليبدأ الاقتباس الحقيقي حين تحاول فهم سبب مطاردتها لك بالأساس .
لماذا أثارتك هذه اللقطة تحديدًا؟
لماذا أخافتك؟
لماذا شعرت أنها تقول شيئًا يخصك شخصيًا رغم أنها صنعت قبل عشرات أو مئات السنين؟
الفنان الذي لا يسأل هذه الأسئلة يتحول سريعًا إلى جامع صور، لا إلى صانع فن.

لهذا فإن أخطر أشكال الاقتباس هي تلك التي تتوقف عند “الطبقة الأولى” من الصورة ،الطبقة السطحية القابلة للاستهلاك السريع، "التكوين الجميل" ! ، الإشارة التي تجعل الجمهور يقول فورًا: “أنا أعرف هذا المرجع ، ليتحول فجأة العمل الفني إلى لعبة ثقافية قائمة على التعرف، لا على الفهم..

من أكثر الأمثلة التي تم استهلاكها بصريًا جدارية خلق أدم لمايكل أنجلو المرسومة على سقف كنيسة سيستينا في الفاتيكان ، تم إعادة تدوير هذه الصورة آلاف المرات حتى كادت تتحول إلى شعار بصري فارغ: يد تمنح، ويد تتلقى ، لكن بمجرد التوقف قليلًا أمام اللوحة يبدأ هذا “الوضوح” في الإنهيار ، نشعر بوجود نوع من التوتر الوجودي بين الإرادة والوعي .
يظهر الإله هنا مندفع بالكامل نحو آدم ، جسده مشدود، ذراعه ممتدة بأقصى طاقة ممكنة، كأن فعل الخلق بالنسبة له فعل عاجل وملح ، بينما آدم يبدو على النقيض تمامًا: جسد مرتخٍ، عينان شاردتان، يد بالكاد تتحرك ، والأهم أن اليدين لا تتلامسان أصلًا!
هذه المسافة الصغيرة بين الإصبعين ربما تكون واحدة من أكثر المسافات كثافة في تاريخ الفن كله.
لأن اللوحة فجأة تتحدث عن احتمالية رفض الإنسان لهذا الاتصال أصلًا، كأن آدم يمتلك حرية رهيبة: أن يقبل الوعي أو يظل خامدًا ،
يمكننا أن نري أيضا الإله نفسه محمول داخل تكوين يشبه الدماغ البشري، لتتحول اللوحة من مشهد ديني إلى سؤال وجودي عن الإدراك والحرية والوعي، ربما لهذا تبدو معظم الاقتباسات البصرية المباشرة للوحة فقيرة للغاية، لأنها تسرق شكل اليدين فقط، بينما تتجاهل القلق الكامن بينهما.
لكن حين نشاهدThe Matrix  ندرك كيف يمكن لإقتباس حقيقي أن يحدث دون محاكاة حرفية ، الأخوان لانا وليلي لا يعيدان تكوين لوحة مايكل أنجلو بصريًا كما تم إستهلاكها لكنهما بشكل ما يعيدان إنتاج توترها الفلسفي.

فحين يمد مورفيوس يده بالحبتين أمام نيو، نري عملية إختيار بين لونين ، لونين يحملان استعارة عن شكلين للوجود ، مورفيوس هنا يشبه الإله ليس لأنه “يعطي” لكن لأنه يعرض إمكانية المعرفة ، أما نيو، فمثل آدم، يبدو مترددًا أمام عبء الوعي نفسه، فالمشكلة تكمن في تحمل الحقيقة بعد معرفتها.
 
وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين الاقتباس والمحاكاة ، المحاكاة تنقل الشكل، أما الاقتباس الحقيقي فينقل الأزمة، ولهذا فإن الأعمال العظيمة تتجاوز حدود الجمال الشكلي وتظل قابلة لإعادة القراءة والتأثر لأنها تحتوي على توتر إنساني قابل لإعادة الولادة باستمرار.
الأمر نفسه يمكن ملاحظته مع لوحة العشاء الأخير لدافينشي
 الكثيرون ينظرون إليها باعتبارها مجرد لوحة دينية شهيرة، بينما هي في الحقيقة واحدة من أكثر المشاهد السينمائية توترًا في تاريخ الفن ، حيث اختار دافنشي لحظة انهيار الثقة ، اللحظة التي يقول فيها المسيح: “واحد منكم سيخونني”وفجأة ينفجر المكان بالكامل، الأيدي تتحرك، الوجوه تتساءل، الأجساد تميل، الجميع يدخل في حالة اضطراب جماعي، بينما يبقى المسيح ثابتًا تمامًا في المنتصف ، يوجه دافنشني العيون والاجساد ناحيه المنتصف ، كأن العالم كله يتحرك حول مركز يعرف نهايته مسبقًا.
واحدة من أكثر الإقتباسات  لهذه اللوحة بقاءاَ في العقل وخلوداَ كانت معالجة لويس بونويل لها في فيلمه  ڤيريديانا .
 بونويل القادم من خلفية سريالية وعداء طويل للمؤسسة الكاثوليكية، مهاجماَ “النفاق الأخلاقي” للمجتمع المسيحي البرجوازي في إسبانيا في حكم فرانكو ، فكان يرى أن المجتمع المسيحي البرجوازي ينتج البؤس نفسه الذي يدعي التعاطف معه ، في الفيلم، ڤيريديانا تحاول ممارسة الرحمة المسيحية حرفيًا تؤوي الفقراء تمنحهم الطعام تحاول “إنقاذهم أخلاقيًا " لكن بونويل لا يؤمن بفكرة “الفقراء النبلاء” الرومانسية ، فعندما تغيب ڤيريديانا عن المنزل، يتحول المتشردون والشحاتون إلي لصوص وكل شيء يؤول إلى فوضى كاملة :يأكلون بشراهة يرقصون يكسرون النظام ويحاول بعضهم الاعتداء الجنسي علي الاخر، ثم تأتي اللحظة الشهيرة يتوقفون فجأة أمام الكاميرا ليعيدوا تكوين “العشاء الأخير” ، لا نشعر وقتها فقط أننا أمام محاكاة ساخرة فقط ، لكننا أمام انهيار كامل لفكرة القداسة ذاتها ، ويعيد بونيول توجيه أعيننا كما فعل دافنشي لكن هذه المره نتوجه نحو كرسي ضخم فارغ في المقدمه ،مركز فارغ تقريبًا، كأن الجميع ينظر نحو شيء لم يعد موجودًا والخلاص الذي وعدت به المؤسسات الدينية لم يصل أبدًا.


ولا تتوقف المسألة عند حدود اقتباس السينما من الفنون التي سبقتها، فمع الوقت نلاحظ ان السينما تبدأ بنفسها في إنتاج “ذاكرتها البصرية” الخاصة ، لقطات تتحول تدريجيًا إلى رموز مستقلة، ثم تُعاد ولادتها داخل أفلام أخرى، باعتبارها أفكارًا قابلة لإعادة التفسير جيلاً بعد جيل.

وهنا تصبح العملية أكثر تعقيدًا: فالصورة التي كانت يومًا ما اقتباسًا أو معالجة لفكرة سابقة، تتحول هي نفسها إلى مرجع جديد يُقتبس منه لاحقًا ، كأن الفن يدخل في سلسلة لا نهائية من إعادة الهضم وإعادة التكوين، حيث لا تعود هناك “صورة أصلية” بالمعنى النقي، لكن طبقات متراكمة من الرؤى البشرية وهي تعيد النظر إلى نفسها باستمرار.
  
يكفي النظر إلى فيلم بريسونا لإنجمار بيرجمان واللقطة الأشهر التي تمثل تلاقي وجهين ليبدوان كوجه واحد، الفيلم يبدو وكأنه محاولة لتحطيم فكرة الهوية المستقرة بالكامل، ، شخصية تبتلع شخصية أخرى ، الأمر قريب جدًا من الوجوه التكعيبية لدى بابلو بيكاسو، لكن بيرجمان لم يقتبس التكعيبية كتكوين بصري فقط، هو اقتبس الجوهر الوجودي لها ، وأصبح يتسائل عن مدي إستقاليتنا كأفراد ومدي تركيب شخوصنا ، تكمن جمال معالجة بيرجمان السينمائي لهذا المثال في شكلها المعتمد علي الفهم والتفكيك ، ترتب عليه تحول هذا الإقتباس إلي شيء مستقل واصيل في حد ذاته ليقتبس منه اخرين واخرين ..
 
هناك فرق هائل بين من يستهلك الأعمال الفنية ومن يسمح لها بأن تعيد تشكيله نفسيًا وفلسفيًا ، ربما لهذا تبدو بعض الأعمال المعاصرة فارغة رغم امتلائها بالمراجع البصرية.
لأنها تعرف كيف تشير، لكنها لا تعرف لماذا تشير ، تمتلئ بالاقتباسات كأنها قوائم استعراض ثقافي، بينما يغيب السؤال الأساسي: ما موقفك أنت من كل هذا؟ وهل تمتلك الجرأة الكافية للدخول في حوار مع تلك الصور التي سبقتك ، حوار قد ينتج عنه قبول أوعداء وأحيانًا رغبة في التمرد الكامل عليها ، لكنها في النهاية لن تتحول أبداَ إلي “ديكور ثقافي".

ولهذا فإن الاقتباس هو فعل إعتراف.
إعتراف بأننا أبناء صور سابقة، وأن الفن العظيم لا يولد من الفراغ، بل من الصراع الطويل مع ما سبقنا، لكن هذا الصراع لا يصبح فنًا إلا حين يتحول المرجع من شيء “نعرفه” إلى شيء “يمسنا” شخصيًا ، وربما هنا تكمن المفارقة الأهم في الفن كله:
أن الفنان يقضي عمره محاولًا العثور على صوته الخاص، لكنه لا يصل إليه إلا عبر أصوات الآخرين..

Comments

Popular posts from this blog

حين يكفي أن ننظر : سينما اليوميات

الفيلم المستقل: جثة تُعاد تسميتها

ما بين البعث والإستعرض: تأملات في Bugonia